أفكار ولي العهد البريطاني الأمير تشارلز، خصوصاً في مجالي العمارة والعلاقة بين الإسلام والغرب، صارت في متناول القارئ العربي مع صدور الترجمة العربية لكتابه «الأمير تشارلز يتحدث» عن دار الساقي في بيروت. وكان أعد الكتاب ديفيد كادمان وسهيل بشروئي وأصدره مركز دراسات التراث في جامعة ماريلاند الأميركية، وتولى بشروئي بعد ذلك انجاز الترجمة العربية متنكباً عملاً يتطلب دقة، خصوصاً أنه ينقل نصاً انكليزياً متمكناً هو نص الأمير تشارلز، وكان انجاز بشروئي ناجحاً بحسب مختصين وكما سيشعر القارئ. يعزو كثيرون من أهل لندن وزوارها المحافظة على بنائها التقليدي الى الأمير تشارلز، وفي هذا كثير من الصحة لأن ولي العهد البريطاني في مقدم جماعات الضغط للمحافظة على العمارة ولإخضاع هندسة الأبنية الجديدة الى شروط تؤهلها للإضافة الى جماليات لندن وليس لكسر هذه الجماليات أو تشويهها، وكان الأمير تشارلز أصدر في العام 1989 كتاباً في عنوان «رؤية لبريطانيا» ضمنه قواعد أساسية للبناء عليها في أي هندسة لمبان جديدة، ومن هذه القواعد: - المكان: التصميم الذي يحترم الطابع المركّب المعقد للمكان، ويراعي تاريخه وسماته الجيولوجية ووسائط النقل والمشهد الطبيعي. - المنفذية: التصميم المدني الذي تتخلله منافذ من شبكة من الشوارع والطرق بين مجمعات مباني المدينة. - القيمة: التصميم الذي يجعل من المنشآت أصولاً قيمة بالمعنى الاقتصادي والاجتماعي والبيئي. - الترتيب: نظام واضح ومنظور يمثل ترتيب الدرجات بين أنواع المباني أو الطرق وأجزائها المنفردة بالنسبة الى علاقتها بالكل. - المواد: التصميم الذي يستخدم المواد حيثما تتوافر، علماً بأن المواد المحلية الأصلية تضفي انسجاماً طبيعياً مع المشهد الطبيعي، وينبغي اختيارها بعناية لضمان تحسنها مع الزمن وعوامل الطقس. - المجتمع: العناية بتسهيل مشاركة المجتمع المحلي في وقت مبكر، كي يصار الى ايجاد أمكنة لها تأثير حضري يلبي احتياجات الناس ورغباتهم وتطلعاتهم ويكون مبعث اعتزاز مدني. فضلاً عن ذلك أسس الأمير تشارلز عام 1992 معهد أمير ويلز للهندسة المعمارية الذي لا يزال ناشطاً مع اهتمام متواصل من المؤسس. وليست الهندسة وعلاقتها بالبيئة هي الاهتمام الرئيس الوحيد لولي العهد البريطاني وإن كان الأمر يبدو شائعاً، فللأمير اهتمام خاص بائتلاف الحضارات، خصوصاً بين الإسلام والغرب وله في ذلك خطب عدة وكتابات، ويلاحظ المتابعون ولعه بالصحراء وبالآثار الفرعونية خلال زياراته البلاد العربية. ويتناول الأمير تشارلز علاقة الإسلام والغرب في سياق تعدد الأعراق والأديان والتقاليد في عالمنا، بل أيضاً في سياق سعيه الى استعادة الانسجام المفقود في حياتنا المعاصرة، هذا الانسجام المطلوب في مستوى الإنسان الفرد كما في مستويات المجتمع والحضارة المعينة والعلاقة بين الحضارات. يكتب في المقدمة: «كرست حياتي حتى الآن لجهد مركّز أذكّر به الناس بالحاجة الضرورية الى استعادة الانسجام المفقود في حياتنا، وإصلاح ذلك التوازن القديم بين البعدين الداخلي والخارجي لوجودنا، أي بين قوى ملكاتنا البدهية التي طال سوء استعمالها، وتلك التي لوعينا المنطقي بواقعنا، فهاتان القوتان المتناقضتان هما في رأيي هبة من الله، وينبغي أن تكون المهمة المقدسة للإنسانية هي التوفيق بينهما لكي ينتج من ذلك ما دأبنا على وصفه بالحكمة». ونلحظ بعدين في تناول الأمير تشارلز علاقة الإسلام بالغرب، الأول ملاحظته «انبعاثاً جديداً للروحانية في العالم يشكل منارات صغيرة للقيم الباعثة للحضارة في وجه الماديات التي طغت، ويعبر عن حنين لتحسين النوعية الأساسية لحياتنا وإنعاش تلك الأولويات الثقافية الدائمة التي تمثل بدورها ينبوعاً أخلاقياً في عالم تسيطر عليه الاستهلاكية». والبعد الثاني في نظرته الى علاقة الإسلام بالغرب ان الروابط بينهما «غدت اليوم أهم من أي وقت مضى، لأن وتيرة سوء التفاهم ما زالت مرتفعة الى حد خطير، ولأن حاجتهما الى التعامل والتعايش معاً، في عالم يزداد تكافلاً، لم تكن يوماً أكبر مما هي عليه اليوم». بل ان الأمير تشارلز يذكّر ب «مدى وطول ما كان الإسلام جزءاً من أوروبا، في اسبانيا أولاً ثم في البلقان، واتساع إسهامه الكبير في الحضارة التي كثيراً ما نخطئ في اعتقادنا بأنها غربية محضة، فالإسلام جزء من ماضينا وحاضرنا ويتمثل في كل مجالات السعي الإنساني، فقد ساعد على خلق أوروبا الحديثة، وهو جزء من تراثنا وليس غريباً عنه». ولما كان معظم سوء الفهم في علاقة الإسلام بالغرب يعود الى الصراعات السياسية ورفع هذه الصراعات الى مستوى المبادئ الثابتة، في اهمال متعمد لتاريخيتها وتحركها صعوداً وهبوطاً، وفي هذا المجال يبدو الكلام الملتبس عن الشريعة وتطبيقها مدعاة نقاش يصل الى خلاف، لكن الأمير تشارلز يحاول وضع الأمور في نصابها داعياً الى درس التطبيق الفعلي للشريعة قبل الحكم عليها، ويبدو أنه لا يلقي بالاً للنقاشات الصاخبة التي تتناول الشريعة في اطار الصراعات السياسية اليومية، فيرى ضرورة التفريق «بين نظم العدالة التي تمارس وتطبق بنزاهة واستقامة وبين النظم العدلية التي ربما نراها تمارس بشكل مشوّه خدمة لأغراض لا تمت الى الإسلام بصلة»، ويرى ضرورة متابعة الجدل الحاد القائم حالياًَ في العالم الإسلامي ذاته حول شمولية الشريعة أو زمنيتها ومستوى ما تخضع له تطبيقياً من تطوير واجتهاد. وفي التفاتة ايجابية يكتب تشارلز: «علينا أن نميز أيضاً بين الإسلام والعادات الشائعة في بعض البلدان الإسلامية. فثمة وجه من أوجه التحيّز الغربي الظاهر، هو الحكم على وضع المرأة في المجتمع الإسلامي من خلال بعض الحالات الشاذة المتطرفة. ثم ان الإسلام ليس جامداً ومتحجراً، ولذا فإن تحديد صورته ليس أمراً بسيطاً. وتذكروا، إذا شئتم، أن دُوَلاً اسلامية كتركيا ومصر وسورية منحت المرأة حق التصويت مبكرة كأوروبا، وقبل أن تمنح سويسرا نساءها حق التصويت بكثير. وتمتعت المرأة في تلك البلدان الإسلامية بالمساواة في الأجور وتساوي الفرص في القيام بدور كامل في مجتمعاتها منذ زمن طويل. وقد نصّ القرآن الكريم قبل أربعة عشر قرناً من الزمان على حقوق المرأة المسلمة في الملكية والإرث، وبعض الحماية والصّون في حالات الطلاق، وعلى حقها في العمل التجاري، حتى وإن لم تكن كل هذه الحقوق قد ترجمت الى واقع ملموس وطُبّقت في كل مكان. وكان بعض هذه الحقوق، في بريطانيا على الأقل، جديداً وغريباً على الجيل الذي تنتمي اليه جدّتي. وتسلمت كل من بنازير بوتو وبيغوم خالدة ضيا منصب رئيس الوزراء في بلديهما الإسلاميين التقليديين في الوقت الذي اختارت فيه بريطانيا للمرة الأولى في تاريخها امرأة لتولي رئاسة الوزارة. وهذا في اعتقادي ليس من صفات مجتمعات العصور الوسطى». كتاب «الأمير تشارلز يتحدث» يضم خمسة فصول، هي: الزراعة والتنمية، الهندسة المعمارية والبيئة المبنية، الطب والصحة، مجتمع متعدد الأعراق والأديان والتقاليد، التعليم، تعريف بمؤسسة الأمير تشارلز الائتمانية ودور المؤسسات التجارية في المجتمع. الفصول متكاملة على رغم تنوع الاهتمامات فيها، فالأمير تشارلز يحاول حشد الجهود لمواجهة النكبات التي جلبها التحديث خلال القرن العشرين. انه رجل عصري لكنه واعٍ لسلبيات الحداثة. وفي مواقفه وأفكاره ينظر الى العالم كله لا الى جزء منه، فلا سبيل الى تجزيء المشكلات. وهنا نلاحظ الوعي السابق الذي لا نجده سوى لدى بريطاني من العائلة المالكة سبق لبلده أن كان امبراطورية لا تغيب عنها الشمس، وتبقى منها لدى الأمير تشارلز تلك المسؤولية عن العالم لا حكم العالم.