يبدو أن «هيئة السياحة والآثار» استيقظت أخيراً. هذا ما يمكن أن تستنتجه عندما ترى الرافعات والحفريات وورش العمل التي تملأ المكان منذ أشهر بحسب ما يقول الجيران، تزامناً مع قرار منظمة اليونسكو ضم حي الطريف (الحي المركزي في الدرعية) إلى قائمة التراث العالمي الذي صدر قبل أيام. المدينة ترابية اللون تقريباً؛ تبدو مميزة عن سواها من المدن الأثرية في العالم، فهي مبنية من اللبن، بلونه البني المميز، وقوالبه شبه المنتظمة، وشبابيكها المثلثة الصغيرة، وطرقها الترابية الممهدة، ومزارع النخل الممتدة، ونخيلها الذي تشهد أطواله المدهشة على عراقة المكان، وعمقه في التاريخ. عند الدخول إلى الأحياء الأبعد عن المركز السابق لحكم العائلة السعودية الواقع في حي الطريف، تفاجأ بصمود بيوت اللبن، وتدهشك الأبواب الخشبية الصلدة، والأسقف «السعفية» المتقنة، وطرق التهوية، لكن الساحر أكثر من ذلك كله، تلك الفتحات المتفرقة في أسقف الغرف الداخلية التي تمنح من في الغرفة إضاءة ساحرة، تحتاج إلى فريق من المهندسين لصنع جو شبيه في أحد الأفلام التاريخية. وخلال تنقلك من غرفة إلى أخرى، ومن منزل إلى آخر، ستجد في كل منزل «شيئاً جديداً». في أحد المنازل المتواضعة لن يلفتك سوى الأبواب القصيرة (ارتفاعها أقل من 175 سنتيمتراً) والأسقف المتقنة الصنع من سعف النخيل وجذوع الشجر التي تمنع السقف من الهبوط. لكنك عندما تدخل بيتاً أكبر، ستجد درجاً حجرياً يوصلك إلى سطحه، وستجد غرفاً للتخزين، وأخرى جهزت بطريقة لتكون مطبخاً، وثالثة احتوت على ما يبدو فكرة مبسطة لحوض استحمام وجذع شجرة معلق بطريقة أفقية بين جداري الغرفة المتقابلين، والتي يظهر انها كانت تستخدم لوضع حجاب من القماش لستر المستحم أو طريقة لنشر الغسيل. في إحدى الغرف الداخلية اللافتة، كانت هناك فتحات صغيرة ومائلة في سقفها، تبعث إضاءة مركزة على بعض المناطق في الغرفة، لتحس للحظة بأنك داخل إحدى استوديوهات التصوير. جهزت الغرفة أيضاً بشماعات ملابس عمليّة (عصي خشبية ناتئة من أحد الجدران)، إضافة إلى ما يشبه الحوض، فضلاً عن موقد صغير. تدرك وأنت بين هذه البيوت المهملة، أن أشخاصاً كانوا يأتون في مرحلة زمنية ما للعبث، فربما تتعثر بكرة جلدية تالفة تقنعك بأن بعضهم كان يتخذ من ساحات احد المنازل المهجورة ملعباً. وفي غرفة أخرى تصدمك عبارة رومانسية كتبت على جدار «الحب كله نعيم»، كما يمكن أن تقع عينك على زجاجة «كولونيا فارغة»، وبعض أعقاب السجائر. عند الاتجاه إلى حي الطريف الذي يقع في البقعة الأكثر ارتفاعاً في المدينة التاريخية، تتناقض الرؤية، فالحي هنا تبدو عليه آثار التدمير المتعمد أكثر من سواه، لكنه في الوقت نفسه يمثل تعبيراً أوضح عن وجود حضارة أصيلة كانت هنا في يوم ما. البيوت أكبر مساحة في حي الطريف، وبعضها يتكون من طابقين، كما يدل المتبقي منها على أن سكانها من طبقة اجتماعية أفضل من الناحية المادية، لكن أكثر ما يلفت انتباهك كمية الدمار المهولة التي تروي صفحة أخرى من تاريخ الدم والدمار، إذ يمتد بصرك قاطعاً مساحات شاسعة مليئة بالجدران المهدمة وبقايا البيوت، وبقايا البقايا، ما يدل الزائر بوضوح على أن معركة هائلة حدثت في المكان. ستمضي محاولاً العثور على طريق سالك، لكنك لن تجد ذلك بسهولة، خصوصاً كلما اتجهت نحو قمة التل، إذ يقبع قصر متوسط الحجم، أنيق المظهر، تملأ جدرانه مثلثات صغيرة (لا يتجاوز طول ضلع المثلث 25 سنتيمتراً)، بطريقة متراصة ومنتظمة على شكل صفوف، يكسر انتظامها بعض المثلثات الأكبر حجماً. هذه النوافذ الهرمية متعددة الفوائد، إذ تكمن ميزاتها، في أنها تقلل من دخول أشعة الشمس إلى المنزل ليبقى أقل حرارة في منطقة صحراوية تشتهر بالحرارة الشديدة، إضافة إلى الاعتبارات الدينية والاجتماعية، إذ تمنح هذه النوافذ المثلثة سكان المنزل القدرة على رؤية الخارج في حين يبدو مستحيلاً على المارة كشف ما هو داخل المنزل. وفي حال الحرب تكمن ميزتها في أنها تتسع إلى البندقية فقط، وتمكن حاملها من قنص العدو في الخارج دون تعريض نفسه للخطر. القصر القابع على أعلى التلة يعود لصاحبه سعد بن سعود (عم الملك عبدالعزيز مؤسس المملكة العربية السعودية)، ويقال إن الملك عبدالعزيز خرج منه وهو في السابعة من عمره إلى الكويت، بعد سقوط الدولة السعودية الثانية. يلتصق بالقصر ساحة مليئة بالأعمدة الحجرية القصيرة وإلى الغرب من الساحة محراب، يدل مباشرة على أن المكان المسور كان مسجداً من أكبر المساجد في المدينة، خصوصاً عدم وجود أي مدخل للقصر من جهته. عند الخروج من القصر الذي يجري ترميمه حالياً، باتجاه الشرق ستمر في طرقات متقطعة ووعرة في طريقك إلى قصر الحكم، وستجد آباراً لا تزال محفورة، كانت تمد المدينة بالماء، كما سترى بعض التفاصيل المدهشة، فهناك مقاعد من اللبن على أطراف بعض الطرق، للراحة. المفاجأة الأكبر؛ عندما تكتشف أن المرتفعات التي تمشي فوقها خلال تنقلك في المدينة الأثرية ليست سوى أحياء دفنت تحت الأرض، من جراء القصف أو معاول الزمن، إذ بقيت المدينة مهجورة حتى عودة الملك عبدالعزيز (الدولة السعودية الثانية أسسها تركي بن عبدالله واتخذ الرياض عاصمة لها) الذي اتخذ الرياض عاصمة، فعاد سكان الدرعية إلى السكن فيها فبنو أحياء فوق الأحياء القديمة، يعتقد كثيرون أنها هي الدرعية بنسختها الأصلية، لكن الحقيقة أن جزءاً من العاصمة الأهم على مستوى الجزيرة العربية في القرون الثلاثة الماضية دفن تحت الأرض، ويتم حالياً من خلال فرق علمية وهندسية وعلماء آثار الحفر للعثور على الأجزاء المفقودة من المدينة، والتي بدأت معالمها تتضح مع عمليات التنقيب والحفر. وهو ما يؤكده المرشد السياحي الذي قابلته «الحياة» هناك صدفة، خلال تجولها في المكان.