رصد 2850 طائرًا نادرًا بمحمية الملك سلمان    سأل الله أن ينعم على الأمة الإسلامية والعالم بالاستقرار.. الملك سلمان: ماضون في نهجنا الثابت بخدمة الحرمين الشريفين    أمام خادم الحرمين الشريفين.. أصحاب السمو والمعالي الذين صدرت الأوامر الملكية بتعيينهم في مناصبهم الجديدة يتشرفون بأداء القسم    فن اللباقة    3662 رحلة لقطار الحرمين في موسم رمضان    الأواني الفخارية على موائد الشهر الفضيل    موجز    متابعة شركات التعدين المؤهلة    رعى الملتقى والجائزة.. أمير القصيم: تمكين استثمارات وابتكارات السياحة الريفية    أكد الالتزام التام بمسار السلام.. الزنداني: الدعم السعودي لليمن نموذج للمسؤولية العربية المشتركة    حددت مدة إنجاز المرحلة الثانية.. حكومة لبنان تستعرض خطة نزع سلاح حزب الله    بيان عربي – إسلامي مشترك يدين قرار الاحتلال: تصعيد خطير يهدف إلى تسريع النشاط الاستيطاني    المملكة تؤكد على تعزيز احترام القانون الدولي الإنساني    السودان: هجوم بالمسيّرات على سوق يوقع 28 قتيلاً    الرئيس الأميركي يحذر إيران من «عدم الاتفاق».. ويصف كوبا ب«الدولة الفاشلة»    القيادة تهنئ رئيسة كوسوفا بذكرى استقلال بلادها    الشباب يعلن تعيين نور الدين بن زكري مديراً فنياً حتى نهاية الموسم    «العميد» يعود من قطر بالمركز الرابع    النصر مرشح لعبور أركاداغ لربع النهائي    آرسنال لاستعادة الانتصارات على أنقاض ولفرهامبتون    الاستثمار الحقيقي في اكتشاف المواهب    المملكة توزع 311 سلة غذائية في ولاية خوست بأفغانستان    خرائط «جوجل» توجه سائقاً نحو «فخ الموت»    تعديل نظام مؤسسة كأس العالم للرياضات الإلكترونية.. مجلس الوزراء: الموافقة على الإستراتيجية الوطنية للأمن والسلامة البيولوجية    الديوان الملكي: المحكمة العليا تُقرر أن يوم غدٍ الأربعاء هو أول أيام شهر رمضان لهذا العام 1447ه    هيئة "الأدب" تختم مشاركتها في معرض دمشق الدولي للكتاب    الحارثي يقدم قراءة نقدية عن "إشكاليات القصيدة"    "فنون جدة" تدشن كتاب "120 عاماً من الإبداع التشكيلي"    حماده هلال في جزء سادس من المداح    جائزة مكة للتميز.. قيمة وقامة وتفرد    نغم ولغم!    الغيرة أذى اجتماعي وفساد وظيفي    شهر النور    ارتفاع متوسط العمر في المملكة إلى 79.7 عامًا    أوضاع قيادة شائعة تضر بالظهر    التعليم في رمضان    النفط عند أعلى المتوسطات الشهرية    8 مسارات للوصول إلى المسجد النبوي    المعافا يهنئ القيادة بحلول شهر رمضان المبارك    تخصيص خطبة الجمعة للحديث عن فضل شهر رمضان    الاتحاد يكسب السد برباعية في النخبة الآسيوية    أمير تبوك يترأس اجتماع الإدارات الحكومية والخدمية لمتابعة استعدادات شهر رمضان    أمير مكة يُهنئ القيادة بحلول شهر رمضان    أمير تبوك يطّلع على حملة رمضان ل "جود الإسكان" بالمنطقة    الأمير سعود بن مشعل يقف ميدانيًا على استعدادات الحرم المكي لاستقبال المعتمرين    خادم الحرمين يهنئ المواطنين والمسلمين بحلول رمضان    مجلس الوزراء يقر الإستراتيجية الوطنية للأمن والسلامة البيولوجية    أمير الرياض يستقبل محافظ الخرج    أمير الرياض يُدشِّن حملة "الصندوق الأبيض" لدعم السجناء والمفرج عنهم وأسرهم بالمنطقة    رصد 2850 طائرا نادرا بمحمية الملك سلمان الملكية    السعودية و7 دول تدين قرار إسرائيل تصنيف أراض بالضفة الغربية المحتلة "أراضي دولة"    ( لا يوجد عنوان )    الجوازات: خدمة تواصل عبر منصة "أبشر" تُمكّن المستفيدين من إنجاز المعاملات التي تعذّر تنفيذها إلكترونيًا    النساء في رمضان    90 كفيفا بمسابقة جري    الذكاء الاصطناعي يقترب من لونا 9    القبيع يطوي ابتسامات عبوس مهنة الصحافة    أعراض السعال القلبي    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



إدوارد سعيد وتلك الإقامة بين الثقافات
نشر في الحياة يوم 12 - 05 - 2009

التقيت إدوارد سعيد مرتين: الأولى عام 1984 وقت عقد المجلس الوطني الفلسطيني في عمان، والثانية عام 1991 في عمان أيضاً. في المرة الأولى لم أكلمه ولم يكلمني. كنت واقفاً أتابع مناقشات المجلس الوطني، في تلك الفترة العصيبة من الحياة السياسية الفلسطينية عندما انقسمت المنظمات الفلسطينية وضاقت بها السبل فعقدت اجتماعها في عمان لتحقيق الوحدة التي أدت في ما بعد إلى اجتماع الجزائر الذي خرج بإعلان الدولة الفلسطينية (وقد شارك إدوارد في صياغة ذلك الإعلان وترجمته إلى الإنكليزية). فجأة التفتُّ خلفي فوجدت إدوارد واقفاً يتابع النقاش الدائر في جنبات قصر الثقافة في عمان. كان يلبس بذلة بيضاء، على ما أذكر، وكان معه فتى أدركت للتو أنه ابنه الوحيد وديع. ترددت كثيراً فلم أكلمه على رغم أنني كنت متلهفاً للقائه منذ قرأت كتابه «الاستشراق»، في ترجمة الصديق كمال أبو ديب، وبعضاً من دراساته ومقالاته باللغة الإنكليزية. تملكني الخجل حينها، وعندما لمست في نفسي الجرأة على محادثته كان قد ذهب. علمت في ما بعد أنه غادر في تلك اللحظة عائداً إلى الولايات المتحدة لأنه حضر خصيصاً ليبدي تضامنه مع إعادة اللحمة إلى منظمة التحرير الفلسطينية، ويدلي بصوته في اجتماع المجلس الوطني الفلسطيني، في ذلك الوقت، ويذهب.
المرة الثانية التي التقيته فيها كانت في بهو فندق الأردن في عمان. كنت جالساً مع الروائي المغربي المعروف الطاهر بن جلون أجري معه حواراً ساخناً، وكان وقتها قد حصل على جائزة غونكور الفرنسية عن روايته «ليلة القدر»، وفجأة جاءت النحاتة الأردنية الصديقة منى السعودي وقالت لنا إن إدوارد سعيد موجود في الفندق. ذهبنا معاً، الطاهر بن جلون، ومنى، وأنا لنسلّم عليه. كان مضطرب الحال يروح ويجيء في جنبات بهو الفندق. أخبرنا إدوارد عندما حضر أنه أضاع مفتاح غرفته، وبعد أن وجده قادنا إلى ركن في بهو الفندق تجلس فيه عائلته: زوجته مريم وابنه وديع، الذي ميزته مرة أخرى على رغم أنه اقترب من سن الشباب، وابنته نجلا. كان إدوارد في تلك الفترة قد علم أنه مصاب بنوع صعب من سرطان الدم، لكن مظهره ونشاطه وحيويته الفكرية لم تدل الى أنه شخص مريض. المدهش أنه كان لطيف المعشر، على عكس ما سمعت عنه من بعض الأصدقاء الذين أخبروني أنه رجل متكبر صعب. لقد عرّفنا واحداً واحداً على أفراد عائلته، وكان منشرح الأسارير، على رغم التوتر الذي أصابه بسبب ضياع المفتاح.
أتذكر هاتين الحادتثين الآن لأربط بين الكتابة والشخص؛ بين إعجابي بكتابات إدوارد الذي يعود إلى أوائل ثمانينات القرن الماضي والذكريات الشخصية الشحيحة التي ما زالت حية في ذهني عنه. الغريب أنني لم أر إدوارد بعدها، لكنني تتبعت أخباره من خلال الأصدقاء وعلى رأسهم الصديق الشاعر الراحل محمود درويش. لقد شغل إدوارد، وكتابته ومرضه، أحاديثنا، محمود وأنا، منذ منتصف التسعينات وحتى رحيل إدوارد عن هذا العالم عام 2003. وهكذا أصبحت كتابات المفكر والناقد العالمي الكبير رفيقاً... تتبعت معظم ما ألف من كتب، وما نشر من دراسات ومقالات، ومعظم ما كتب عنه من كتب ومراجعات، وما شن عليه من حملات لأنه كان الناطق باسم الفلسطينيين، والقضايا العربية، في أميركا بخاصة، والغرب بعامة (نشرت كتابي الأول عنه «دفاعاً عن إدوارد سعيد» عام 2000). أتاح لي الصديق الراحل محمود درويش ترجمة بعض مقالات إدوارد، والكتابة عنه، لتنشر في مجلة «الكرمل»... كانت الكرمل المطبوعة الرئيسة التي نشرت فيها كتاباتي وترجماتي لإدوارد سعيد؛ والفضل كله يعود الى محمود درويش الذي أفتقده صديقاً عزيزاً لا يعوض.
أصبحت كتابات إدوارد، منذ أكثر من عشرين عاماً ويزيد، رفيقاً يومياً لي؛ مصدراً معرفياً ونظرياً وتحليلياً يغور في ثنايا كتابتي النقدية، ويعينني في الوقت نفسه على تشكيل مواقفي من النصوص والتجارب والحياة بعامة. لقد أصبح بمثابة أبي الروحي؛ الشخص الذي أتذكره عندما أحس بالضعف في الحياة الصعبة، وأستعين بمواقفه الصلبة وكتابته الواسعة المعرفة، الذكية اللماحة، وتحليلاته البارعة للنصوص والمواقف وتجارب البشر. إنه شخص لا ينسى، كما أن إنجازه المعرفي اللافت يجعل المرء يشعر بالعجز وعدم القدرة على الإضافة إلى ما كتبه تحليلاً وتعليقاً، وسبراً لأعماق النصوص وسياقات المعرفة الشاملة.
إن إدوارد مفكر عالمي نجد اسمه ومنجزه حاضرين بقوة في الموسوعات الغربية التي تؤرخ للنقد الأدبي والنظرية وعلوم الأنثربولوجيا ودراسة الآخر ونقد الموسيقى، ويصعب اختزاله إلى بعد الجغرافيا ومسقط الرأس. لم يكن إدوارد سعيد مجرد أستاذ للأدبين الإنكليزي والمقارن في جامعة كولومبيا الأميركية، ولم يكن فلسطينياً يثير لغطاً في الأوساط الأكاديمية والإعلامية الأميركية والغربية فقط، بل ناقداً وباحثاً ومنظّراً على مستوى الإنسانية.ولهذا تتوالى الكتب والدراسات التي تصدر عنه بعد وفاته.
لم يكن مشروع إدوارد النظري والنقدي والفكري دفاعاً عن ثقافة العرب وحضارتهم، بغض النظر عن الجوانب المظلمة في هذه الثقافة، كما يحاول أن يقول بعض مؤولي عمله ضيقي الأفق. إن مشروعه الكبير يتلخص في تفكيك الفكر الغربي، ونقد هذا الخطاب الذي اخترع الآخر، الشرقي والعربي والمسلم، ليميز ذاته عن آخره الذي يقع في أدنى سلّم الحضارة، مبرراً حملته الاستعمارية على الشرق. ومن هنا عمل إدوارد سعيد منذ كتابه «بدايات» على قراءة منظور الغرب عن ذاته، وتحولات هذا المنظور، ورؤية الذات من خلال رؤية الشرق اللاعقلاني، الحسي غير المتحضر. ذلك كان مشروعه في «الاستشراق» و «القضية الفلسطينية» و «تغطية الإسلام» و «الثقافة والإمبريالية». وقد وسع مشروعه ليشمل قراءة دور المثقفين في العصر الحديث، غرباً وشرقاً، ليعيد إحياء الدور الرسالي للمثقف، الذي تلاشى في الغرب بتأثيرات العولمة ونشوء الشركات المتعددة الجنسية التي بدأت توظف المثقفين والأكاديميين ليقدموا لها خبراتهم بغض النظر عن التأثيرات السلبية التي تنشأ عن المعلومات التي يقدمها هؤلاء الخبراء.
من هنا يبدو تأثير إدوارد سعيد مزدوجاً في الثقافة الغربية، وكذلك في الثقافات الأخرى عبر ترجماته إلى لغات عدة في العالم ومن ضمنها التركية والصربية واليابانية والماليزية، ومن خلال تلامذته الكثيرين الذين درسوا على يديه في جامعة كولومبيا أو من خلال قراءتهم لكتبه؛ وأنا واحد من هؤلاء الذين تتلمذوا عليه عن بعد. ويتمثل هذا الدور المزدوج في قراءته الأركيولوجية المعمقة للثقافة الغربية وتفكيكه خطاب هذه الثقافة؛ وفي نشاطه الخلاق عبر الكتابة والحوارات التي كان يدلي بها للصحف والمجلات والإذاعات ومحطات التلفزة الكثيرة التي كان يظهر على شاشاتها مدافعاً عن القضية الفلسطينية ومندداً بالإمبريالية الأميركية الصاعدة. إنه يربط إذاً بين عمله الأكاديمي ودوره كمثقف منتم الى الحقيقة راغب في التشديد عليها في وجه السلطة أينما تموضعت هذا السلطة وأينما وجدت.
كان إدوارد مقيماً بين الثقافات، كما وصف نفسه أكثر من مرة؛ فهو ضد ما يسميه سياسات الهوية، ومع هجنة الهويات وتلاقح الثقافات، وضد صراع البشر القائم على الأصول والأعراق والانتماءات الجغرافية والمناطقية الصغيرة. وقد كان نضاله الأساسي في كتابته هو أن ينبه الغرب والشرق، الشمال والجنوب، إلى أن حروب البشر، التي تستند إلى ما يسميه صمويل هنتنغتون صراع الحضارات، هي حروب مدمرة للهويات نفسها، مضرة بالبشر جميعاً غالبين ومغلوبين. ومن هنا تمييزه المدهش بين ما يسميه النسب filiation والانتساب affiliation، فالنوع الأول من العلاقة التي تقوم بين الفرد وعائلته ومجتمعه ذو طبيعة قسرية لا اختيار فيها، فيما يكون الانتساب حراً قائماً على الابتكار والرغبة الإنسانية العميقة لخدمة فكرة أو قضية من دون التمترس خلف آراء مسبقة أو تحيزات معينة. ولهذا السبب، ولإيمانه بالاختيار الحر وبدور المثقف الرسالي، عاد إدوارد سعيد، في أيامه الأخيرة، ليكتب عن علاقة المذهب الإنساني بالنقد الديموقراطي في كتاب صدر بعد وفاته.
كتابة إدوارد لا تنحصر في بعدها السياسي الاجتماعي، بل تعيد النظر في المفاهيم النظرية، وتسعى إلى تحليل المسائل الكونية الكبرى، ومن ضمنها الموت والغياب عن هذا العالم. في كتابه «حول الأسلوب الأخير»، الذي صدر بعد وفاته بثلاث سنوات، يتأمل إدوارد كتابة الروائيين والشعراء والموسيقيين والمخرجين والفلاسفة الكبار، من قامة يوريبيدس وتوماس مان وجان جينيه وبيتهوفن وريتشارد شتراوس وفيسكونتي وكفافي ولامبيدوزا وثيودور أدورنو. يتأمل إنجازهم على الحافة النهائية للعمر، قارئاً في أعمالهم الأخيرة انحناءات الأسلوب ودورانه حول هوة مفتوحة تفضي إلى الموت.
ومع أن إدوارد كان مشغولاً بموضوع «الأسلوب الأخير»، قبل وفاته بسنوات عدة، وكان ألقى عدداً من المحاضرات حول هذا الموضوع، الذي يجدل الميتافيزيقا باللسانيات والنقد الأدبي، وربما الأنثروبولوجيا، فإن شعوره باقتراب الموت منه في السنوات الأخيرة، التي عاشها مريضاً منهك القوى، جعله يحاذر الاقتراب من مشروعه الأثير على نفسه، والذي ظل يفكر فيه طوال سنوات وسنوات. لكن الفكرة الجوهرية التي حاول إدوارد البحث عنها موجودة هناك في ما كتبه، وفي ما لم يكتبه كذلك. فهو يبحث عن تحولات الكتابة في مسيرة المبدعين، ويشرح كيف يؤثر اقتراب شبح الموت من المبدع صانعاً تعرجات وشروخاً عميقة، وتعارضات لا حلول لها في نصه الإبداعي، كأنه كان يتأمل، وهو على حافة الموت ونهاية العالم، مشروعه الشخصي، ورغبته في أن يقول كلمته الأخيرة قبل أن يلوّح بيديه مودعاً مغتربه الأرضي الأزلي الذي اختاره بنفسه، كما فُرض عليه وعلى شعبه في زمن الاستعمار الذي ظل يسكنه كشخص وباحث ومفكر أراد أن يفتح الكتابة على أمل لا شفاء منه.
أقام إدوارد، على مدار عمله كله، صلات نسب بين المثقف اللامنتمي والمثقف المنفي الذي يجد صعوبة بالغة في التأقلم والإحساس بالألفة مع المحيط (وهي الأحاسيس التي تميز المواطنين وأبناء المجتمعات الأصلية، أولئك المستقرين الذين تربوا في أحضان الوطن والثقافة). وظل يفضل هذا النوع من المثقفين الذين لا يحسون بالراحة أو الطمأنينة، بل إنهم يحسون بعدم الاستقرار ويشعرون بضرورة الحركة الدائمة مسببين عدم الراحة للآخرين كذلك.
أصر في كتابته، كما في سيرته الشخصية، على أن المثقف المثال بالنسبة إليه هو ذلك «المرتحل، والضيف الموقت». إن المثقف المنفي، واقعاً ومجازاً، يرى الأشياء بصفتها «عارضة، لا بصفتها أمراً لا مناص منه، وينظر إليها بصفتها سلسلة من الاختيارات التاريخية للرجال والنساء، بصفتها وقائع اجتماعية صنعها البشر لا بصفتها أشياء طبيعية»، كما يقول في كتابه الثاقب النظر «تمثيلات المثقف».
كأنه بتشديده على صفات المثقف اللامنتمي، بالمعنى الإيجابي للكلمة، وعلى الكاتب المنشق الذي يقول الحقيقة للسلطة، بغض النظر عن قوة السلطة ومكان تموضعها، يشير إلى الطبيعة الانشقاقية للأسلوب، في لحظة نضج الكاتب وبلوغه قمة إبداعه، أو في اللحظات الأخيرة من العمر.
ولعل كتابه الأخير، الذي يرتحل بين أشكال وأنواع عدة من الكتابة والإبداع، من الرواية إلى الشعر، ومن الفلسفة إلى المسرح، ومن الموسيقى إلى السينما، من بين تلك المؤلفات التي تلخص في مجلد صغير تجربة مبدع في النظر إلى كتابات الآخرين، وكذلك إلى كتابته الشخصية، إلى أسلوبه الذي يترجح بين موضوعية الناقد والمنظر الأدبي والأديب الذي يبدو الأسلوب بالنسبة إليه بمثابة البصمة المتفردة التي لا تشبهها أخرى.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.