في السنوات الأخيرة زاد تداول مفهوم «تضارب المصالح» في قطاع الأعمال، والوظائف الرسمية، وبات الجميع ينظر الى الموظف العام، أو الشريك، باعتباره إنساناً غير عادل في تعامله مع مهمات موقعه، إذا كانت لديه ارتباطات مزدوجة، وأصبح معظم المؤسسات الرسمية والخاصة يمنع تشغيل الأقارب في مكان عمل واحد، خشية غياب العدالة، وانعدام الثقة. لكن هذا التوجه لم يطبق في الصحافة العربية على النحو المطلوب، وإن شئت لا يمارس بجدية. الإعلام الاقتصادي تنبه أخيراً الى خطورة هذه الإشكالية، وأصبحت الصحف والقنوات الفضائية التي تهتم بصدقيتها، تضع علامات استفهام على عدد من المحللين الاقتصاديين، وترفض مشاركتهم خشية الوقوع في فخ تضارب المصالح، لكن حذر البعض وأمانته لم يمنعا وسائل أخرى كثيرة من التورط بعمل هؤلاء، وخلال الأزمات التي شهدتها أسواق الأسهم في غير بلد عربي كان لأصحاب تضارب المصالح دور في تضليل المستثمرين، واستغلال مواقعهم لتحقيق مكاسب. وحين وقعت الأزمة خرج هؤلاء من مشهدها، ولم يسأل أحد عن دورهم، ودور وسائل الإعلام التي سمحت لهم بتوجيه السوق والتأثير عليه. المشكلة لم تعد حكراً على الجانب الاقتصادي، فتضارب المصالح موجود في كل شؤون الحياة التي يتناولها الإعلام العربي في شكل عام، والسعودي خصوصاً. والمتابع سيجد أن الصحف تستكتب يومياً أصحاب مهن، من محامين وأطباء ومهندسين وتربويين وغيرهم، فضلاً عن رجال أعمال، وأصبح هؤلاء يشكلون غالبية كتّاب الرأي في الصحف، ويحق لهم تناول كل الشؤون العامة، من دون أن يسألهم أحد عن علاقتهم بالقطاعات أو القضايا التي يكتبون عنها. فتجد أن طبيباً يملك مستشفى خاصاً يكتب عن قضايا الأطباء وأجورهم، وآخر يعمل في قطاع التوظيف واستقدام الأيدي العاملة الأجنبية يكتب عن البطالة والاستقدام، ومهندساً يعمل في شركة للمقاولات يكتب عن قطاع المقاولات... والأمثلة تفوق الحصر، وتدمي القلب. الأكيد أن الصحف مطالبة بفرز كتّاب الرأي، ومعرفة ماذا يعمل كل منهم وما هي مصالحه، وتحديد المواضيع والقضايا التي يحق له أن يكتب فيها، ومنع خطف الرأي، في سبيل مصالح خاصة، وبغير نظام صارم ودقيق، سيستمر التزييف الذي يمارسه بعض الكتّاب تحت شعارات الغيرة والوطنية، ناهيك عن الذين يسخّرون الأعمدة لقضاياهم الخاصة، وحكايتهم الشخصية.