ألتفت إليكِ، يصيبني فراغ تحت القلب، حيث كنتِ. لا أستطيع أن أحدد تماماً كيف استقرّت نظراتنا في الجوّ، وشكل الحبّ الذي غزلته. لم يكن حباً أعرفه، أو ذاك الذي حضضت على تشييده. كان شيئاً أضاف إلى وجودي، في لحظة واحدة، وجوداً آخر، وامتداداً لطاقة النفس الطويل. نظرت إليكِ، استقرّت صورتك الأولى في خيالي، جسدكِ الصغير الطريّ ملطخ بالدماء، حتى أخذني التعب وغفوت. رأيتكِ حينها بنتاً في الريف، فلاّحة على رأسها «قمطة» ملوّنة، تلفّ شعركِ الذهبيّ وتحميه من وهج التفاف الشمس حول وجهك. رأيتكِ تسقين الزرع الممتد حتى أصابعكِ الصغيرة، كقصص الأطفال التي امتلأنا بها. رأيتُ شالكِ على الهضبة، تغزوه حرارة الأرض ووهجها، كفتاة جنوبية تلفحها الأغاني، من الليطاني إلى الخيام وغيمات كفرمتى. غنيت لكِ بصوتي لأول مرّة كي تنامي. كنت أسمع صوتي كذلك وهو مصوّب نحو أذنيك الزهريّتين، «تعالي يا ابنة الحقل نزور كرمة العشاق»، ها؟ أعجبكِ صوتي؟ صوتي الرديء! أنتِ الوحيدة التي بقيتِ تصفقين لي، ويضحكك أدائي السيئ، أنتِ الجمهور الذي غرقت بضبابيّته وأنا أؤدي دوري الجديد، كنت خائفة، ولم أستطع أن أرَ شيئاً أمامي، وكأن كل المَشاهد التي أديتها كانت خالية، بلا ناس ولا أضواء، الأمر الذي أشعرني بالقلق والخطر. أنتِ الدور الأصعب والأحلى، أستحضر فيكِ دور الممثل وشبيهه، أفتح الستائر الحمراء وأشعل الإضاءة، وأستعيد بكِ ظلالي التي هجرتني. وأقول بعدها إني لم أعد وحيدة. عشقت ثيابكِ الصغيرة التي ترمينها وتكبرين. أحتفظ بسنّكِ الأول. خصل شعرك. خربشاتك على الأوراق. حفظت لفظ أحرفك الأولى، كيف كانت تخرج من بين شفتيكِ، وكيف بتّ تتقنين لفظها بعد ذلك. راقبت تبدّل صوتك ونضجه، وكيف قررت حينها أن تختاري نغمة خاصة لمخارج الحروف. حفظت أبجديتكِ، تعابيركِ، وجملكِ كلها. عشقت ملائكيتكِ، أدخلتني إلى ألعابك وذاك العالم الممتع، أصبحت دميتك صديقتي أيضاً، لأنك كنت توصينني دائماً بالاهتمام بها حين تخلدين إلى النوم. صرت أحدّث عالمك هذا وأشكو له همّي، هجرة أصدقاء حقيقيين، جفاء آخرين، ووحشة الطريق. أريد أن أقول لكِ سراً، حين كنا نجلس إحدانا قرب الأخرى على الكنبة كي ندرس، لم أكن أعلّمكِ، بل العكس، تعلمت منك القراءة، عدت معك إلى المقاعد الصغيرة الملتصقة، مع كتبك وواجباتكِ، أعجبت بممحاتك المزركشة، واستمتعت وأنا أبري قلمكِ، شيء من البذل المحبب كي تتعرفي إلى الحياة. كنت تشبكين أحاديث طويلة معي، تملئين الوقت بالأسئلة، لا أعرف كيف لعمركِ الصغير أن يفهمها. أنت الوحيدة التي واجهتني بحقائق لطالما تجاهلتها، وضعتني كثيراً أمام نفسي، نقد لاذع عفوي، تليه جرعات من الحب والإعجاب. لن أكذب عليكِ كي تنامي، لن أذبح لكِ الحمام. الحياة في الخارج مرعبة، الموت في كل مكان، العالم موحش، أفكر كثيراً أنه لم يكن عليّ أن آتي بك إلى هنا. كان عليك أن تبقي في عالمكِ تغنين وترقصين. لن نخرج غداً إلى الشوارع، الموت في كل مكان. لكن لن أحرمكِ من تجربة الحياة، سنستيقظ غداً، سنتشاجر عند الصباح لأنك لا تحبين غسل وجهك بالماء البارد، وستبهرينني كما العادة بأفكارك، وسنؤلف نصاً مسرحياً تكونين بطلته، ونصنع الحياة على هوانا. * ممثلة مسرحية وسينمائية