خطت ليبيا أمس خطوة كبيرة في اتجاه تسوية ملف «الجماعة الإسلامية المقاتلة» التي أصدر قادتها صيف العام الماضي مراجعات دانوا فيها استخدام العنف وسيلة لتغيير الأنظمة واعتذروا من العقيد معمّر القذافي لمحاولتهم قلب نظامه في تسعينات القرن الماضي. وتم الإفراج مساء أمس عن نحو 214 سجيناً إسلامياً على رأسهم ثلاثة من أبرز قادة «المقاتلة» هم أميرها عبدالحكيم بلحاج الخويلدي (أبو عبدالله الصادق) ونائبه خالد الشريف (أبو حازم) والمسؤول الشرعي سامي الساعدي (أبو المنذر الساعدي). وأعلن عن عملية الافراج رئيس مؤسسة القذافي للتنمية سيف الاسلام القذافي في مؤتمر صحافي في طرابلس. ويُشكّل خروج هؤلاء نصراً معنوياً في شكل خاص لسيف الإسلام القذافي الذي كان وراء المفاوضات مع قادة «المقاتلة» في السجن منذ عام 2007. وكان نجل الزعيم الليبي يتدخل شخصياً في أحيان كثيرة لتذليل العقبات التي اعترضت سبيل الحوار بين السلطات الأمنية والقادة المسجونين في سجن أبو سليم في طرابلس. وأثمرت جهود سيف الإسلام في نهاية المطاف إعلان قادة «المقاتلة» مراجعات فقهية بعنوان «دراسات تصحيحية لمفاهيم الجهاد والحسبة والحكم على الناس» في صيف 2009 خلصوا فيها في شكل خاص إلى خطأ اللجوء إلى استخدام العنف وسيلة لتغيير الأنظمة الحاكمة والتحذير من تعميم الكفر أو الردة على المسلمين ورفض القيام بتصرفات يعتبرها القائمون عليها «جهاداً» وهي في الواقع تتعارض مع التعاليم الإسلامية، في إشارة واضحة الى التصرفات التي تُنسب إلى تنظيم «القاعدة» والجماعات التي تحمل فكره. وأتبع قادة «المقاتلة» مراجعاتهم برسالة اعتذروا فيها من العقيد القذافي على ما قاموا به من تصرفات ضد نظامه، كما اعتذروا عن تشكيل جماعتهم المسلحة التي قادت قتالاً ضد قوات الأمن في أنحاء متفرقة من ليبيا في الستيعنات. وبدا مشروع سيف الإسلام لطي ملف «المقاتلة» مُهدداً بداية هذه السنة عندما عارض والده العقيد القذافي الإفراج عمن وصفهم ب «الزنادقة» الذين قال إنهم مرتبطون ب «القاعدة» ويشكّلون تهديداً أمنياً إذا ما أُفرج عنهم. لكن مصادر معنية بهذا الملف أكدت أن العقيد القذافي يترك للأجهزة الأمنية أن تُقرر من من السجناء يُشكّل تهديداً أمنياً إذا ما أُفرج عنه ومن يمكن اخلاء سبيله ليندمج من جديد في المجتمع الليبي. وتزامنت خطوة الإفراج عن السجناء الإسلاميين امس مع عقد مؤتمر في طرابلس تنظّمه «مؤسسة القذافي للتنمية» ويحضره باحثون من دول أجنبية لدراسة إمكان تعميم التجربة الليبية في التعامل مع «المقاتلة» على دول أخرى. ومن بين من تحدث في المؤتمر الدكتور علي الصلابي الإسلامي الليبي المقيم في قطر ونعمان بن عثمان القيادي السابق في «المقاتلة» والمقيم في بريطانيا، وكلاهما من العناصر الأساسية التي أشركها سيف الإسلام القذافي في الحوار مع قادة الجماعة في سجن أبو سليم. وإضافة إلى «أبي عبدالله الصادق» و «أبي حازم» و «أبي المنذر الساعدي»، تم الإفراج عن قرابة 214 سجيناً آخر من الموقوفين على ذمة ملفات متعلقة ب «المقاتلة» (34 سجيناً) أو «شبكات العراق» (100 سجين) أو ملفات أخرى تتعلق ب «الإرهاب». وشبكات العراق تضم في الغالب شباناً ليبيين تأثروا بالحرب في العراق وأرادوا المشاركة فيها أو أسسوا خلايا للقيام بعمليات متأثرين بأيديولوجية «القاعدة». ويُفترض أن تكون السلطات الليبية حصلت على تعهدات من المفرج عنهم بعدم العودة إلى العنف بعد خروجهم من السجن. واستدعت السلطات ذويهم منذ أيام إلى طرابلس للقائهم بعد الإفراج عنهم، وكان ذلك متوقعاً الإثنين لكنه أُرجئ على ما يبدو إلى أمس. ونشرت صحيفتان ليبيّتان محسوبتان على سيف الإسلام القذافي أمس رسالة بعث بها عبدالحكيم الخويلدي بلحاج إلى نجل القذافي ناشده فيها التدخل للإفراج عن سجناء محسوبين قضائياً أو أمنياً على ملف «المقاتلة». ونشرت الرسالة التي تحمل تاريخ 11 آذار (مارس) صحيفتا «قورينا» و «أويا» على موقعهما الإلكتروني (لا تطبعان في ليبيا حالياً) بعدما وزّعتها مؤسسة القذافي العالمية، وجاء فيها أن الزعيم السابق للجماعة «يتمنى أن يأخذ الذين تمت محاورتهم، والذين طال مقامهم داخل أسوار السجن، مكانهم خارجه»، مشيراً إلى أنهم «سيحملون مشاعل الهداية والتوعية، ويساهموا كغيرهم من أبناء ليبيا في خدمة بلدهم ومجتمعهم». ولفت إلى أن نقاشات تجرى من السجناء الإسلاميين لشرح الدراسات التصحيحية لهم، قائلاً «وجدنا لكلامنا قبولاً باعتبارنا أصحاب تجربة واقعية واحتكاك بتيارات إسلامية مختلفة في الداخل والخارج»، مؤكداً أن الجماعة قد تم حلّها. وفي باريس (أ ف ب) صرّح السفير الليبي في باريس صلاح الدين زارم الثلثاء بأن ليبيا تطالب بأن ترضخ سويسرا ل «تحكيم دولي» لتسوية خلافهما حول التأشيرات، مؤكداً انه ليس على علم بإبرام اتفاق خلال النهار تحدثت عنه ايطاليا الإثنين. وقال السفير في مؤتمر صحافي «إن ليبيا متمسكة بمبدأ التحكيم الدولي» وانه «يتوجب على سويسرا الاضطلاع بمسؤولياتها ووضع حد لغطرستها».