بقلم : عبده خال لم يسكت الكتاب خلال السنوات الماضية عن تحذير أمانة جدة بخطورة البناء في الأودية، إلا أن تحذيراتهم لم يتم أخذها في الحسبان حتى وقعت الكارثة. وها هم المختصون يحذرون من وقوع كارثة لجامعة أم القرى لكونها تقع في مجرى وادي نعمان، مع الإشارة إلى أن سيلا قد حدث في عام 1425 للهجرة استطاع مسؤولو الجامعة إخفاء ضرره الذي أصيبت به الجامعة. وهذا التحذير سيكون له قيمة في الأيام المقبلة لو لم تتخذ الاحترازات العلمية، فما أقدمت عليه جامعة أم القرى من إقامة سد (تكلفته 300 مليون، ولاحظوا مقدار المبلغ المهول لإقامة سد فقط) لا يمكن لهذا السد أن يقف في مواجهة السيل لو تدفق بغزارة.. ولا يمكن الارتهان للتجربتين اللتين واجهتهما الجامعة سابقا (واللتين ذكرهما وكيل الجامعة) من أن السيلين لم يحدثا ضررا يذكر (مع أن الحقيقة تقول عكس ذلك).. وإذا كانت أم القرى داخل واد كبير تتفرع منه وإليه أودية أخرى، فهذا أدعى لاتخاذ وسائل سلامة ناجعة. وغياب وسائل السلامة عن مباني الجامعات أمر يدعو للعجب، فها هي جامعة الملك عبدالعزيز قد حصرت الأضرار التي لحقت بها نتيجة السيول العابرة لمدينة جدة، مشيرا تقريرها إلى أن المبالغ التقديرية التي تحتاجها الجامعة لإعاده تهيئتها بيئيا وتعليميا تقدر بنحو مليار و600 مليون ريال. وهذا المبلغ لا يشير لحقيقة الخسائر التي تكبدتها الجامعة وإنما إلى الاحتياج لإعادة البيئة التعليمية، وهناك من يفند هذه الخسائر المادية ويوصلها إلى سقف يصيب المرء بالفجيعة فقط لو علمنا أن من جملة الخسائر جهاز النانو وتبلغ قيمته (بمفرده مليار ريال) والذي أصابه تلف بسبب السيول، وإذا صدق هذا التفنيد، فإن الأمر يستوجب مساءلة المسؤولين بجامعة الملك عبدالعزيز عن غياب وسائل الأمن والسلامة على الأقل لجهاز تصل تكلفته لمليار من غير أن تكون هناك وسائل أمن وسلامة تتناسب مع قيمة الجهاز (هذا إذا غضضنا الطرف عن وسائل السلامة لبقية منشآت الجامعة التي تعرضت جميعها لأضرار كبيرة). وإذا كانت الخسائر المادية كبيرة لهذا الحد، فهناك خسائر علمية ربما تفوق هذا المبلغ ولا تقدر بثمن كون لها قيمة علمية، هذه الخسارة العلمية حدثت بسبب غياب وسائل الأمن والسلامة، وها هو مركز الملك فهد للأبحاث والذي يضم بحوثا علمية هامة تتعلق بالفيروسات وأمراض الشيخوخة وضربات الشمس وأمراض السرطان قد قدرت التلفيات بمائة وخمسين مليونا (لما يمكن استعادته) لكن التقرير لم يتحدث عن الخسائر العلمية من فقد للتجارب ذاتها، وأن هناك بحوثا تتعلق بسلالات حيوانية مكث الإعداد لها منذ 30 عاما تلفت عن آخرها.. وهذه كارثة علمية سيتم طمس حقائقها عن الأعين، فإذا كانت تجارب ثلاثين عاما للعلماء داخل الجامعة ذهبت مع السيل، فهذا أدعى لأن نصرخ جميعا بمطالبة التحقيق مع مسؤولي الجامعة ومساءلتهم عن غياب وسائل الأمن والسلامة ليس على المباني فقط ولكن على كنز معرفي ذهب مع السيل. ومع هذه الخسائر العلمية أيضا لم يتحدث أحد من الجامعة عن الأضرار التي قد تسببها حيوانات المعامل المخبرية من أضرار على البيئة بعد أن سحبت مع السيل وجرت في شوارع وأزقة مدينة جدة.. ويقال إن عدد تلك الحيوانات يصل إلى ثلاثين ألفا. يا الله، لهذا الحد لم يكن لدى الجامعة وسائل أمن على أي شيء. أليس هذا كارثة موازية لكارثة الأرواح التي ذهبت في الأحياء المنكوبة، وأيضا أليس هذا محل استغراب ومساءلة تستوجب وقوف مدير الجامعة ومعاونيه أمام مجلس الشورى أو أية جهة أخرى بتهمة التفريط المريع في كنوز علمية لا يمكن تعويضها حتى لو بقى كل مسؤولو الجامعة الآن يعتذرون للوطن يوميا وبعدد سنوات تواجدهم داخل الجامعة. [email protected] نقلاً عن صحيفة عكاظ