يظلّ التفوق هاجسا نفسيا تسعى إليه العقول الطموحة في كل المجالات، وتتوق إليه الأنفس المشتاقة في كل الحالات، وهو أبلغ ما يكون وأوجب ما ينبغي، حين تكون سنّ الطلب شابة، ونفس المرء في ريعان عمرها، وهذا لا يتجلى إلا في طلب العلم والتعلّم، ولا يكون إل في الطالب العلمَ والطالبة المعرفةَ . والتفوق واجهة حضارية تعكس اهتمام الأمم والدول في أبنائها الشبّان، وتمثل بارقة أمل تحدو الأجيال المتلاحقة في رقي أمتها ودولتها، ولا يتأتّى هذا إلا في علم ينتفع به، ويكون نبراسه تحديد أهداف يمكن تحقيقها، وصناعة خطط يُستطاع تنفيذها وترجمتها، في واقع تتحقق فيه شروط التنفيذ، يتمثل في مبنىً مدرسيٍ تتقارب فيه المتطلبات الأساسية جميعها، من فصول نموذجية، ومعامل حاسوبية، ومختبرات علمية، وصالات رياضية، لتكون المدرسة مهوى أفئدة الطلبة والمعلمين. إن صناعة التفوق تتمثل في صناعة الإنسان . وصناعة الإنسان تتمثل في صناعة المعلم، بدءاً من احترامه وتقديره وزراعة الثقة في قلبه وترجمتها واقعا بتكريمه، وحسبك من ذلك أنّ المعلم يتملك العقول بعلمه، والقلوب بلطفه وحسن رعايته، فهو أحق من يكون في الوقوف معه وتذليل العقبات التي تقف في طريقه، وتعترض سُبل نجاحه في عمله؛ ليقدم ما عليه واجبا، ويبرز ما لديه ممكنا، في صناعة التفوق الذي ينمو في قلبه أولا، ليظهر في أفعاله ويمتد في غيره، بناءً على أنّ ( فاقد الشيء لا يعطيه) فالمعلم المتفوق هو المزارع الذي يجيد زراعة أرضه، ويملك مفاتحيها، ويعرف أسرارها، ويخرج مكنوناتها، وبناء على أنّ ( كل إناء بما فيه ينضح)، فالمعلم الذي يملك مناجم التفوق تنضح المعادن النفيسة من عينيه لتضيء في وجوه الآخرين، وتبرز في أعمالهم . إن صناعة التفوق تتمثل في صناعة الإنسان . وصناعة الإنسان تتمثل في صناعة الطالب، وهو المراد في ذلك كله، وهو مقياس تقدم الأمم وازدهار حضارتها، فمقياس تفوقه ما جنى من علم ومعرفة، في منظمة متكاملة وفق شروط البحث العلمي الصادق المبتعد عن الكذب. فالطالب هو المقصود في وصول أهداف التفوق إليه، بل هو الأرض التي يُزرع فيها التفوق، فإن كانت أرضا مباركة فأنعم بها من أرض!، وهو البناء الذي يؤسس ليكون بناء متفوقا، فإن كان بناء شامخا فأكرم به من بناء !، ولكن لا بدّ من شروط؛ ليكون الغرس مثمرا، والبناء صحيحا، فلا بدّ من تعليم الطالب على تحمّل المسؤولية، وتعويده على البحث والطلب، وتحديد الهدف له في كل مرحلة من مراحل تعليمه؛ ليصل إليها وهو واثق الخطوات، وعليه فليثقْ الطالب بأنّ لكل نجاح ضريبة، ولكل عمل متطلب، ولكل مجتهد نصيب، وأنّ المطالب لا تؤخذ إلا بالاجتهاد، بل تنال بالمغالبة، وعلى ذلك يكون الطالب بناء قويا لا تزعزعه الريح ولا تهزه الأزمات . إن صناعة التفوق تتمثل في صناعة الإنسان. لا صناعة المدن والعمران !. أحمد اللهيب