المبعوث الأمريكي باراك يشيد بالاستثمارات السعودية في سوريا    الجزائر تبدأ إلغاء اتفاقية خدمات النقل الجوي مع الإمارات    فريق الأنوار التطوعي يشارك في فعالية «المشي من أجل صحتك» بحديقة الغروب في ضم    عبر مؤتمر العلا..المملكة تفتح أبواب حلول مواجهة تحديات اقتصادات الأسواق الناشئة    أمير المنطقة الشرقية يرعى غداً الأحد ملتقى الطرق والنقل في نسخته الثانية    ضمن الجهود الإعلامية لوزارة الشؤون الإسلامية بث إعلانات ملتقى القيم الإسلامية عبر شاشات ملاعب دوري روشن يحقق أصداءً واسعة    تجمع جازان الصحي يحقق إنجازًا طبيًا غير مسبوق في عمليات القلب بالمنطقة    مهاجم الهلال يثير الاهتمام مجددًا.. ليوناردو تحت مجهر الأندية البرازيلية    ضبط أكثر من 20 ألف مخالف لأنظمة الإقامة والعمل وأمن الحدود خلال أسبوع    النصر يتحرك للبحث عن خليفة كريستيانو رونالدو    الأزمات تكلف ألمانيا قرابة تريليون يورو    زيلينسكي: روسيا أطلقت 400 مسيرة و40 صاروخا على قطاع الطاقة    القادسية يختتم تحضيراته لمواجهة الفتح في دوري روشن    الفريق الفتحاوي يختتم تحضيراته لمواجهة القادسية    أستراليا تطلق تجربة سريرية رائدة لعلاج أورام الدماغ لدى الأطفال    احتواء حريق اندلع في ثكنة عسكرية في العاصمة الإيرانية    مصرع ثلاثة أشخاص في حادث تحطم طائرة خفيفة بأستراليا    الاحتلال الإسرائيلي يصيب فلسطينيًا بالرصاص الحي بالضفة الغربية    أمطار رعدية متوسطة إلى غزيرة على معظم مناطق المملكة    نادي الاتحاد يصدر بيانا بعد لقاء النصر    النصر يحسم كلاسيكو الاتحاد بثنائية في دوري روشن للمحترفين    النصر يكسب الاتحاد في قمة الجولة 21    ساعة تقدير مع حُماة البيئة في قوز الجعافر    على حد الشفرة…أمسية تناقش قداسة النص وحرية المتخيل في مكيدة أرض كنعان    من الصف إلى الحكاية: نادي النَّوَى يراهن على أدب الطفل    35 وزيرا في الحكومة اليمنية برئاسة شائع الزنداني    محمد بن عبد الرحمن الدريبي… سيرة من ذاكرة جازان    رونالدو يغيب عن قائمة النصر لمواجهة الاتحاد    افتتاح كونغرس الروماتيزم الخليجي2026 «تطوير رعاية أمراض الروماتيزم من خلال التعاون والابتكار»    ثقافة وفنون الدمام تعلن عن استقبال أعمال معرض ( بدايات 2 )    قائد قوات الدفاع الجوي يرعى حفل تخرج معهد الدفاع الجوي    خطباء الجوامع أشد انواع الظلم الشرك في عبادة الله    المهنا: الدعاء لُبّ العبادة وسلاح المؤمن في السراء والضراء    جمعية سفراء التراث» تطلق ملتقى معسكر «في يدي حِرفة    أخلاق الشعر    رابطةُ العالم الإسلامي تُدين الهجوم الإرهابي على بلدة "وورو" في جمهورية نيجيريا الفيدرالية    مدينة الملك سعود الطبية ضمن أفضل 100 مستشفى أكاديمي عالميًا والرابعة محليًا    8 فبراير: انطلاق النسخة الثالثة من معرض الدفاع العالمي 2026    متقاعدو ضمد ينظمون فعالية «المشي من أجل صحتك» برعاية محافظ المحافظة    جدة: البحر الأحمر يحتضن كونغرس الروماتيزم الخليجي 2026    أكد المضي في تطبيق العدالة الوقائية.. وزير العدل: 43% نمواً بمنظومة تنفيذ أحكام التحكيم    الإعلام الرسمي.. من الإبلاغ إلى صناعة التأثير    10 جهات وأعمال وشخصيات فائزة ضمن المسارات المختلفة.. وزير الإعلام يتوج الفائزين بجائزة السعودية للإعلام    الشيخ يحتفل بعقد قران يارا    لجهوده في الأخلاقيات الطبية.. حلمي يكرم كشميري    أكد متابعة التحقيقات لمحاسبتهم.. «الرئاسي الليبي»: قتلة نجل القذافي لن يفلتوا من العقاب    البيت الأبيض يؤكد استمرار المحادثات رغم التوتر العسكري.. طهران تحصر التفاوض مع واشنطن في «النووي»    16 مليار ريال مبيعات أسبوع    أمير الرياض يستقبل سفير الكويت    كاتس: سنفكك حماس ونقضي على قدراتها.. إسرائيل تربط إعمار غزة باستكمال أهداف الحرب    الاحتياط للسلامة    أمير منطقة جازان وسمو نائبه يعزّيان عريفة قبيلة السادة النعامية بالعالية في وفاة والدته    الحُمدي يشكر القيادة بمناسبة ترقيته للمرتبة الرابعة عشرة بالرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء    تحت رعاية الأمير عبدالعزيز بن سعود.. مدير الأمن العام يشهد تخريج الدورة التأهيلية للفرد الأساسي للمجندات الدفعة ال (8) بمعهد التدريب النسوي    اللواء الركن ساهر الحربي يرأس الاجتماع السنوي الخامس لقيادات القوات الخاصة للأمن البيئي بمنطقة حائل    البصيلي مفوضًا للإفتاء بمنطقتي عسير وجازان    نائب أمير جازان يعزي شيخ شمل السادة الخلاوية وتوابعها في وفاة والده    المملكة تعزي شعب الكونغو جراء انهيار منجم    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



حين ضج الناس من «محتسبة» بغداد
نشر في عكاظ يوم 27 - 02 - 2016

تتفق كثير من المرويات التاريخية الحنبلية والمستقلة على نهج الموادعة السياسية الذي كان يتميز به أحمد بن حنبل وأتباعه الأوائل في القرن الثالث الهجري. لم يكن ذلك سمة لشخصية الإمام المشهور بالزهد والورع والانحياز للعزلة فحسب، بل تأصل بشكل واضح في تعليماته ومروياته التي تؤكد على الانقياد لولي الأمر، والسمع والطاعة له. رغم المحن التي تعرض لها من سلاطين الدولة العباسية إلا أنه ظل راسخا على مواقفه، ورفض أن يشارك في أي ثورات احتجاجية خرجت في عصره، فوقف ضد التمرد الشعبي الذي قاده سهل بن سلامة عام 201ه ضد سلطات المأمون، «حين تجردت المطوعة للنكير على الفساق ببغداد ورئيسهم خالد الدريوش وسهل بن سلامة الأنصاري أبوحاتم من أهل خراسان، يريدون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» (الطبري)، إلا أن أحمد أدانهم بصراحة، ووبخ أحد أتباعه حين انخرط معهم.
ولما قامت مجموعة بتدبير انقلاب على الخليفة الواثق، عارض أحمد بقوة هذا المشروع الخطير -بحسب ما يقرره أبويعلى الفراء في طبقات الحنابلة- فنأى بنفسه عنه، ولم يشارك لا من قريب ولا من بعيد في محاولة الثورة الفاشلة التي تبعت بقيادة أحمد بن نصر الخزاعي.
يشير مايكل كوك -وهو المستشرق المختص في تراث أحمد بن حنبل- إلى هذه الصفة التي ميزت الجيل الأول من الحنابلة، يقول: «كان أحمد يبقي نفسه على مسافة واحدة من جميع الخلفاء، من أكرموه ومن ناصبوه العداء، فهو ينأى بنفسه دائما عن سبيل الدولة، بعيد كل البعد عن السياسة، رجل مدني بنحو مميز، لا يرى استخدام السلاح ولا القوة في المواجهة أو تغيير المنكر».
هذه النقطة تأخذنا إلى سياق مهم، متصل بنهج العزلة السياسية، وهو حرص أحمد على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكن حرصه هذا لم يمنعه أن يضع معايير وشروطا مشددة كانت تتسق مع نهجه النابذ للانخراط السياسي، أو إثارة الفتنة والجلبة. بل وصل به الحال إلى القول بأن ظروف الزمان ومراعاة الأحوال تستدعي التخفيف على الناس في إنكار المنكرات. سئل مرة عن النهي عن المنكر هل هو واجب؟ فقال: «إنه في هذا الزمان شديد يصعب فرضه»، وفي إشارة إلى فساد الأخلاق في زمانه، قال: «ليس هذا زمان نهي»، مؤكدا على وجوب القيام به بالقلب كما ورد في رتب النهي عن المنكر في الحديث.
وإن كانت هذه المسألة خلافية يصعب حسم موقف أحمد فيها، إلا أنه من المتفق عليه تقريره الواضح لحالات يسقط فيها وجوب النهي عن المنكر، كممارسات من قبيل اقتحام بيوت الناس عنوة، أو انتهاك حياة الناس الخاصة، إذ كان ابن حنبل يرفض التفتيش بقصد اكتشاف المنكرات أو التحقق من وجودها، يقول: «فإن سمعت عزفا لا تعلم مصدره فليس من شأنك البحث عنه.. لا تتقص ما غاب»، و«إن رأيت قنينة تشتبه في أنها تحوي خمرا، دعها ولا تتحر أمرها» (النيسابوري، مسائل الإمام أحمد).
لكن هذه التعليمات نسيها تلاميذ أحمد من بعده، إذ حصل تطور ملفت في أتباعه بعد مرور قرن من الزمان، ألصقت بنهجه ومذهبه مواقف لم يكن يتبناها أو يدفع باتجاهها، تسببت في زعزعة صورته المتحاشية للسياسة، المنعزلة عن الشأن العام.
جاءت تطورات المذهب الحنبلي في بغداد في القرن الرابع الهجري مغايرة لتعليمات المؤسس الأول، حين أسس أتباع البربهاري -أحد رموز الحنابلة- حركة شعبية لإنكار المنكرات بالقوة، وصفوا ب«مثيري الشغب والفتنة» في كتب التاريخ المعتبرة في التراث الإسلامي، كالكامل لابن الأثير، والطبري في تاريخ الأمم والملوك، وابن مسكويه في تجارب الأمم.
يقول ابن الأثير: فصل في حوادث سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة: «وفيها عظم أمر الحنابلة، وقويت شوكتهم، وصاروا يكبسون من دور القواد والعامة، وإن وجدوا نبيذا أراقوه، وإن وجدوا مغنية ضربوها وكسروا آلة الغناء، واعترضوا في البيع والشراء، ومشي الرجال مع النساء والصبيان، فإذا رأوا ذلك سألوه عن الذي معه من هو، فإن أخبرهم، وإلا ضربوه وحملوه إلى صاحب الشرطة، وشهدوا عليه بالفاحشة، فأرهجوا بغداد، وضج الناس».
اتخذت السلطات موقفا من هذه الحركة الشعبية المتصاعدة، يقول ابن الأثير: «فركب بدر الخرشني، وهو صاحب الشرطة، ونادى في جانبي بغداد، في أصحاب أبي محمد البربهاري الحنابلة، ألا يجتمع منهم اثنان ولا يتناظروا في مذهبهم، فلم يفد فيهم، وزاد شرهم وفتنتهم، واستظهروا بالعميان الذين كانوا يأوون المساجد، وكانوا إذا مر بهم شافعي المذهب أغروا به العميان، فيضربونه بعصيهم، حتى يكاد يموت. فأرسل الوالي من يقرأ على الحنابلة ينكر عليهم فعلهم، ومن ذلك يقول لهم: إن أمير المؤمنين يقسم بالله قسما جهدا إليه يلزمه الوفاء به لئن لم تنتهوا عن مذموم مذهبكم ومعوج طريقتكم ليوسعنكم ضربا وتشريدا، وقتلا وتبديدا، وليستعملن السيف في رقابكم، والنار في منازلكم ومحالكم».
لكن لم تكن القضية في جوهرها مجرد «حركة نهي عن المنكرات»، بل كانت تعبر عن حالة محتقنة من صراع التيارات المتأصل في المجتمع، الصراع السني الشيعي من جهة، والصراع الحنبلي الشافعي، والصراع الحنبلي الأشعري والمعتزلي من جهة أخرى. كانت بغداد منذ ذلك الوقت موطنا تنشط فيه الصراعات المذهبية والفقهية، وأصبح وصف «الحنبلي» يطلق في مقابل المعتزلي والشيعي.
من الواضح أن حركة الجمود الفقهي والتعصب المذهبي التي بدأت تتضح معالمها في تلك الحقبة من تاريخ بغداد قد ساهمت بشكل كبير في صياغة جديدة للقيم التقليدية التي كان يرتكز عليها المذهب، وتشكيل نمط مختلف للعلاقات المذهبية والفقهية داخل الفرق الإسلامية المختلفة.
انعكس ذلك على عامة الناس بأن استشرى الجهل، والتعصب، وتراجعت الحركة العلمية التجديدية، وأصبح الانتماء لمذهب ما لا يعني بالضرورة التزام الشخص بتعليماته، واصطباغ ذلك على سلوكه الشخصي وتقواه، بل يعني بشكل أساسي مفارقته للمذاهب والطوائف الأخرى، ومناصبتها العداء. وفي ذلك تشير المرويات إلى قصة طريفة، أنه مع توسع الحنابلة في بغداد، وازدياد عددهم، انضمت إليهم فئات من الطبقات الشعبية غير المتعلمة ولا المتدينة، فكان «أحد محبي البربهاري ممن يحضر مجلسه من العوام، اجتاز يوما وهو سكران ببدعي، فقال البدعي: هؤلاء الحنبلية!، فرجع إليه، وقال: الحنبلية على ثلاثة أصناف: صنف زهاد يصومون ويصلون، وصنف يكتبون ويتفقهون، وصنف ثالث يصفعون كل مخالف مثلك، وأنا منهم، فصفعه وأوجعه».
ازداد جمهور البربهاري في بغداد، وتعاظم نفوذهم، وارتفعت جلبتهم، فأرهبوا الناس باسم الاحتساب وملاحقة المنكرات، وضاق بهم السلطان، وكانوا يتفننون في المسيرات الاستعراضية، والتطاول في الضجيج، ومن ذلك ما روي حول حادثة العطسة «حين اجتاز البربهاري يوما بالجانب الغربي فعطس عطسة فشمته أصحابه فارتفعت ضجتهم حتى سمعها الخليفة، فأخبر بالحال، فاستهولها»، في صورة نرى فيها التباين الصارخ مع ابن حنبل الذي كان لا يحب أن يتبعه أحد في الطريق.
يؤكد مايكل كوك في كتابه (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الفكر الإسلامي) أن منهج ابن حنبل لا يمكن أبدا أن يكون مرجعا لمثيري الشغب والغوغائيين، وأن مآثر مؤسس المذهب وتعليماته لا تتوافق حقا مع ممارسة «حنابلة بغداد»، من عصر البربهاري إلى نهاية الخلافة العباسية، فمذهب أحمد أبعد ما يكون عن إثارة الشغب والفتنة والفوضى، وأبعد ما يكون عن الصراعات السياسية.
* كاتب وباحث سعودي


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.