من أهم ما تمخضت عنه زيارة الرئيس التركي (رجب طيب أردوغان) للمملكة الأسبوع الماضي: إقامة تعاون استراتيجي رفيع المستوى بين البلدين. العنوان قد يبدو طويلا، بعض الشيء، لكن كل كلمة فيه كانت مقصودة وتعني: رسالة ممتدة وواضحة، لا تحتمل اللبس، لكل من هو معني بها. التعاون الاستراتيجي، لا يعني فقط التعاون على المستوى العسكري فقط، إنه درجة أعلى من مستوى التحالف العسكري. كما يعني: أن إرادة البلدين، ممثلة في قيادتهما -وهذا ما تعنيه عبارة رفيع المستوى- تذهب إلى توثيق حماية مصالحهما والذود عن أمنهما، ومن ثم سيادة بلديهما واستقلالهما، برباط استراتيجي متين تُسخر فيه إمكاناتهما وطاقاتهما من أجل إحداث استقرار إقليمي في المنطقة وإبعاد كل صور الهيمنة الدولية والإقليمية التي أخذت تتداعى، لرسم خريطة جديدة في المنطقة تضر مباشرة باستقرارها، وبالتالي أمن ومصالح بلديهما. لم تشهد المنطقة، منذ بداية نشوء الدولة القومية الحديثة فيها، عقب الحرب الكونية الأولى، محاولات عبثية من قوى إقليمية ودولية، بل وأحيانا من جماعات محلية غير نظامية، تستهدف مصالح وأمن شعوبها، كما يحدث الآن في مناطق مختلفة مثل: العراقوسورياولبنان واليمن. هذا «الحلف» (الثلاثي) بين هذه القوى الدولية والإقليمية، الذي يضم إليه (بالوكالة) جماعات إرهابية تحمل أيدلوجيات منحرفة، لا شك أنها تمثل عامل عدم استقرار خطير في المنطقة، إذا لم يجابه بإرادة فاعلة وقادرة من قوى إقليمية أصيلة، مثل المملكة وتركيا. كما علينا ألا ننسى، في خضم ما يجري من عبث عنيف في المنطقة من تلك القوى الثلاث، الخطر التقليدي الأصيل الذي تمثله إسرائيل، التي تعتبر - في النهاية - المستفيد الوحيد من عوامل عدم الاستقرار المستجدة في المنطقة التي تمثلها السلوكيات الرعناء ل «قوى الشر» تلك. كذلك فإن الخطر على المنطقة، لا يقتصر فقط على الأضرار المادية، التي عادة ما تتعلق بالمصالح والأمن، بل يتعدى ذلك إلى خطر وجودي أعمق وأمضى يتعلق بالجانب الإيماني الروحي لعقيدة الإسلام الوسطية الصحيحة، المستهدفة من قوى الشر تلك، التي يؤمن بها شعبا البلدين، والغالبية العظمى من شعوب منطقة الشرق الأوسط، وشعوب العالم المسلمة. لم يعد الصراع الدولي على المنطقة بخافٍ عن أحد. هناك قوة عظمى أتت بقضها وقضيضها لتمارس التدخل العسكري العنيف لتكرس حالة عدم الاستقرار في المنطقة، التي سبقتها إليه قوى إقليمية ومنظمات إرهابية، ليس لها من هدف سوى التوسع الأرعن عن طريق دعم أنظمة لفظتها شعوبها وأشعلت ثورات للتخلص منها. قوة عظمى أخرى شغلتها حساباتها الداخلية.. وتحالفاتها الدولية، وتوازنات القوى المعقدة، من أن تنظر بعقلانية وتجرد إلى مواطن مصالحها ومقومات أمنها القومي الحقيقية. وتبقى للأسف قوى من داخل المنطقة العربية فقدت بوصلتها القومية وشغلتها هموم مشاكلها السياسية والاقتصادية وعوامل عدم الاستقرار في مجتمعاتها عن رؤية الخطر الاستراتيجي الذي يمثله «الحلف الثلاثي» على أمن شعوب المنطقة واستقرار دولها. كان لزاما، إذن، أن تتصدى أقوى وأغنى دولتين في المنطقة (المملكة العربية السعودية وتركيا) لعوامل عدم الاستقرار تلك المستجدة في المنطقة، لإعادة التوازن، ومن ثم الاستقرار إليها. الدولتان تتمتعان باقتصاد قوي (كلتاهما عضوان في مجموعة الدول العشرين الغنية).. وتمتلكان موارد ممتدة.. ووضعا جغرافيا فريدا، وعمقا استراتيجيا وفير الموارد والإمكانات. وفي مقدمة كل ذلك الشعور بمسؤولية استراتيجية تجاه الذود عن عقيدة الإسلام الصحيحة، التي يؤمن بها شعباهما، والغالبية العظمى من مسلمي العالم.. لن يمضي وقت طويل، إلا ونرى مؤشرات التوازن والاستقرار تعود شيئا فشيئا للمنطقة، كنتاج عملي لهذا التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى بين المملكة وتركيا. ستحدث اختراقات استراتيجية في جبهات المعارك المشتعلة في المنطقة، في سوريا واليمن والعراق، وحتى تلك التي تضطرم فيها النار تحت الرماد، مثل لبنان. في النهاية ستنتصر شعوب المنطقة.. ويتحقق الأمن لدولها.. وينهزم الإرهاب، وستنتصر العقيدة الإسلامية الصحيحة التي تركها لنا سيد البشر عليه الصلاة والسلام على المحجة البيضاء. السلام، في النهاية، سيكون هو الجائزة الكبرى لهذا التعاون الاستراتيجي بين المملكة وتركيا.