هناك ثلاثة أنواع من جرائم التستر المعاقب عليها سعوديا، الأول خاص بالتستر على الإرهابيين والمطلوبين في قضايا الأمن الوطني، وهؤلاء يعاقبون بالحبس لمدد قد تتجاوز أحيانا العشرين سنة، ويمنعون من مغادرة الدولة لمدة مشابهة بعد تنفيذ الأحكام أو يرحلون إذا لم يكونوا سعوديين، والثاني بالعمالة المخالفة لنظامي العمل والإقامة، وهذا تباشره وزارة العمل بالتنسيق والتعاون مع الجهات الأمنية، وقد بدأت حملة لمواجهته قبل ما يقارب السنتين، والصحافة المحلية تهتم بمتابعة ضبطياته وتحديثها باستمرار، وتوجد أماكن لإيواء المخالفين لنظام الإقامة، أو من دخلوا إلى البلد بطريق غير مشروعة، وهؤلاء يسافرون أو تصحح أوضاعهم بحسب الحالة، وقد نشرت الصحافة أن بعضهم كان مطلوبا للإنتربول، وأن آخرين شكلوا عصابات لارتكاب جرائم سرقة وخلافه، وتم اكتشافهم باستخدام البصمة والمعلومات الحيوية، وكلاهما استفاد بدرجة معينة من صعوبة الوصول لتحديد الهوية أو المعلومات الأمنية المسجلة باسمه؛ لأنهم ربما كانوا مجاهيل، لم يمروا على كاونترات الجوازات أو على المنافذ الحدودية، وتم نقلهم إلى داخل الحدود الوطنية وإيواؤهم فيها بمعرفة سعوديين أو عمالة نظامية، وهؤلاء متسترون بطبيعة الحال، ويعاقبون بالحبس والغرامة، واعترف المختصون في شهادات موثقة ومنشورة، بأن 90 في المئة من العمالة النظامية كانت مخالفة لنظام العمل، والمقصود أنهم يعملون عند أشخاص غير كفلائهم الأصليين، أو في مهن وأعمال لا تتطابق والمدون في الإقامة، والثالث يهتم بأمور التستر التجاري، وهذه معقدة نوعا ما ومختلفة، لأن العلاقة بين السعودي وغير السعودي قائمة على المنفعة المتبادلة، وعلى مبلغ مقطوع أو نسبة يحصل عليها السعودي، ويعمل فيها غير السعودي بإقامة نظامية ولحساب كفيله في الغالب واختلاف المهنة وارد، ولعل الفارق أنه يستغل اسم الكفيل أو سجله التجاري لممارسة أعمال تجارية لا يجيزها النظام إلا لأهل البلد، وعقوبة التستر في النوعين الثاني والثالث تصل في حدها الأعلى إلى الحبس لسنتين وغرامة مالية يصل سقفها إلى مليون ريال عن كل مخالف أو مخالفة تجارية. في النوع الأول استبدل المشرع العقوبة المالية بالمنع من السفر، والأخيرة أكثر إيلاما وأقدر على تحقيق أغراض تتناسب وخطورة الجريمة، فأسلوب الغرامة لا يقدم حلا مثاليا، حتى لو افتراضنا إمكانية حدوث التستر لأسباب تجارية، ومن غير المستبعد تورط الجماعات الإرهابية في صفقات تجارية مع المتسترين، ولكنه احتمال بعيد وبدون أدلة متماسكة في الوقت الحالي على الأقل، وفي ما يخص مكافحة التستر التجاري الذي تدير ملفه وزارة التجارة والصناعة بالمشاركة مع الداخلية، فقد أضاف نظام المكافحة جملة من العقوبات المكملة، وتشكل في مجموعها حزمة واحدة لا تقبل التجزئة، وباستثناء الحبس والغرامة، يعاقب المتورطون في التستر بإغلاق وتصفية النشاط وشطب السجل التجاري، مع إبعاد غير السعوديين إلى خارج المملكة، وبالتشهير بهم في صحيفتين محليتين على حسابهم، وبالأسماء الرباعية أو الثلاثية، والجنسيات، ومكان المخالفة وطبيعتها، وتسجل البيانات كاملة في حقول ستة ضمن بطاقة "تشهير بجريمة" تنشرها وزارة التجارة في العادة على منصاتها في شبكات التواصل الاجتماعي، والنظام المذكور صدر بمرسوم ملكي في أواخر يونيو لسنة 2004، إلا أنه لم يفعل بصورة واضحة إلا في السنتين الماضيتين، ولعل وزارة التجارة تعتبر الأفضل في تطبيقها لنظام مكافحة التستر، وأكبر غرامة أصدرتها منذ بدأ حملتها "التستر جريمة" في أبريل 2014 وصلت إلى مليوني ريال وتشهير وشطب وترحيل، وكان السابق في نوفمبر 2014 على ما أعتقد، والقضية أدين فيها سعودي وأردني. ثم إن من يمارس التستر التجاري من السعوديين ويسمح لأجانب باستغلال اسمه وسجله التجاري في ممارسة أعمال محرمة عليهم نظاما، وخصوصا في الأعمال التجارية الصغيرة، على اعتبار أنها تمثل 90 في المئة من حجم السوق التجاري في المملكة، وذلك مقابل مبالغ مقطوعة أو نسبة يحصل عليها آخر الشهر بلا تعب أو مجهود، يرتكب جريمة اقتصادية كبيرة ويستنزف اقتصاد بلاده عن سابق قصد وترصد؛ لأن الأجانب يحولون أرباح تجارتهم إلى أوطانهم. العوائد التقديرية لجرائم التستر التجاري في المملكة قاربت ال340 مليارا في سنة 2014، والرقم قابل للزيادة في السنة الحالية، استنادا لتصريحات مختصين نشرتها الصحافة، وتعمل وزارة العمل على برنامج ذكي اسمه حماية الأجور، وهو يحتاج إلى إلزام وصرامة في التطبيق، والبرنامج يلزم الكيانات التجارية بأنواعها بضرورة توثيق الرواتب الفعلية لموظفيها غير السعوديين، وذلك لمطابقة التحويلات بالرواتب، وتتبع مصادر المبالغ الإضافية، وتعاون وزارتي التجارة والعمل في هذا الموضوع، تحديدا، قد يحل مشاكل كثيرة ويعين في كشف جرائم تستر واحتيال يصعب كشفها بالطرق التقليدية، مع أمنية بأن تصاب الجهات المعنية بتطبيق نظام مكافحة التستر، بعدوى الشفافية المطلقة وبالعمل الاحترافي الموجود في وزارة التجارة. [email protected]