وسط الضجيج تستنكر الثرثرة عليك صمتك، وتتضخم على الألسن جمل نابية تستفز ما وراء جدارك المستكين إلى عالم آخر ليس فيه إلا حلمك البعيد وبقايا لذكريات مرت، جربت فيها مجاراة الصخب وفيض الحديث فتاه بعض منك. ألف حكاية يتداولها البعض مفسرين بها شرودك في حضرتهم، جفاء، غرور، خجل وتفسيرات أخرى لا يشغل بالك التحقق من أيها كشفت سرك، ما يثير حنقك فقط هي تلك المفاهيم المغلوطة التي جعلت من كثرة الكلام فضيلة والصمت عيبا يلام صاحبه. لذا يجتهد بعضنا لنفي الشبهة عنه ما استطاع فيجعل من نفسه النجم المتحدث في كل مناسبة يتواجد فيها، فتراه يقاطع هذا ويشكك في كلام هذا وينثر ما قدر له من خفايا الآخرين معتدا بنفسه أن وصل إلى براعة استراق الهمسات خلف الأبواب المغلقة. قد لا نلومهم كثيرا فوخز الكلام دفع بهم إلى الباحات ليقارعوا المتطفلين في سرد الحكايا وكشف الأغطية عن حقائق لا تهمك في شيء غير أنها ملك للآخرين يعانون صلف الحياة أو قساوة من حولهم فيهربون إلى أقبية تداري عنهم أعين الباحثين عن الشهرة بحصائد ألسنتهم. قال الأبرش: إن كان منطق ناطق من فضة فالصمت در زانه الياقوت هكذا الصمت في مواضع الثرثرة در يزينه الياقوت وهو زينة صاحبه يضفي على محياه سمت الحكماء ومنطق العقلاء في وزن الكلام ووضعه مواضعه دون المزايدة في الكثرة أو القلة. وهذا ما نحتاج أن نعيه في زمن ساد فيه اللغط وتجاوز الحد إلى زرع الفزع وعدم الثقة في النفوس بافتعال قصص جلها بلا حقيقة وإنما نثيرها رغبة في التميز والحصول على سبق في الثرثرة والمتابع للوسط يرى كيف تجاوز البعض إلى الكذب والتزييف في ترويج أحاديث في ظل الفضاء الواسع الذي يفتح ذراعيه لتلقف لغط الحديث ثم بثه بسرعه عالية تخترق الجدر المحصنة لتزرع الريبة في النفوس حول منهج هؤلاء وأخلاقيات أولئك وغيرها من الصور الملفقة التي يغيب عن مروجيها الخوف من ظلم الغير أو التجني بما ليس فيهم.