عندما نسمع عن تعثر مشروع هندسي ما فالأمر لا يعدو عن كونه حدثاً عرضياً وأمراً عادياً يتوقع أن يحدث في أعظم الدول وأرقاها بل قد يتوقع فشل مشروع ما فضلاً عن تعثره ويمكن أن يبرر تعثر المشروع بأسباب مقبولة ومعتبرة كأزمة الموارد وندرة الكوادر وغيرها من الأسباب طالما أن مسألة التعثر في إطار نصنفها فيه كحالة أو حالات فردية على الأكثر لا تصل لمستوى الظاهرة ولا تمثل السمة السائدة ولا الوضع العام. لكن المدهش والمقلق في آن واحد أن يفاجئنا أحد أعضاء مجلس الشورى الموقر بقنبلة إعلامية مدوية مفادها أن لدينا بالمملكة قرابة 2000 مشروع متعثر أقيمت بعقود مالية تتجاوز 17 مليار ريال ففي الوقت الذي نحمد فيه لصاحب التصريح شجاعته الأدبية وشفافيته الإعلامية وقبل ذلك غيرته الوطنية المعروفة وتبنيه لهموم المهندسين وولاءه للهندسة من خلال مواقفه الجريئة وتفانيه في الدفاع عنها كمهنة وممارسين فإننا في الوقت ذاته نشاطره الأسى والأسف على هذا الحال وعلى هذا الهدر في الأموال وتضييع الأوقات و تبديد الطاقات.
تعثر المشاريع بأعداد كبيرة كما هو الحال لدينا يعد ظاهرةً مقلقة ومؤشراً خطيراً ينبئ عن وجود خلل كبير جداً في المنظومة المعنية بإدارة المشاريع ابتداءً من مالك المشروع وانتهاءً بأصغر مقاولي الباطن مروراً ببقية حلقات المنظومة ذات الدور التنفيذي والإشرافي والرقابي.
مشكلة التضخم وغيرها من المشاكل العالمية لا ينكر أثرها على سير المشاريع وتعثرها لكن لا ينبغي أن نتخذ منها شماعة نعلق عليها كل أسباب تعثر مشاريعنا لأن هذه المشاكل لم تكن سبباً في تعثر مشاريع بنفس الكم والكيف في البلدان الأخرى سواءً المتقدم منها أو المتأخر.
لا يمكن لي أو لأحد غيري أن يتناول كافة أبعاد هذه المشكلة المقلقة أو أن يشخص كل الحلول الناجعة التي يمكن أن تضمد هذه الجراح الغائرة التي طالت جسد الوطن ونالت من بنيته الأساسية ولست الأقدر أو الأكفأ للخوض في هذا الحديث ذي الشجى و الشجون .
يكفيني في هذا المقام أن أشير لأهمية الدور الإداري والإشرافي الذي يتوقع أن يضطلع به المهندس السعودي لإدارة دفة المشاريع الوطنية بما يملكه من الكفاءة والكفاية علاوةً على الوطنية والولاء والانتماء و هذه الصفات الثلاث الأخيرة لم أوردها في مقام السجع اللغوي كما قد يظن البعض بقدر ما هي مؤهلات ومقومات حقيقية يفتقر لها كل المهندسين المؤهلين مهنياً من غير أبناء البلد ولا يمكن لنا أن نكسبهم تلك الصفات بالريالات ولا نحليهم تلك السجايا بالهدايا لأن المسألة ببساطة هبات فطرية جبليّة لا تعلم بالمدارس والجامعات ولا تشترى من الأسواق ولا تباع بالمحلات.
المهندس الوطني إحدى الركائز التي يعوّل عليها إنجاح المشاريع المتعثر منها والمستقبلي مع حسن إدارتها بإبداع واقتدار وفي سبيل تحقيق هذا الهدف فهو يعمل تحت ضغوط عمل استثنائية ويضطلع بمهام جسيمة مقابل ثمن بخس ودراهم معدودة لا تليق بمؤهله النادر ولا تتناسب وطبيعة عمله الحازمة ولا تتكافأ مع مجهوداته الفنية والبدنية.
كان ولا يزال المهندس السعودي يعاني في بيئة عمل حكومية محبطة وغير جاذبة ليس فيها ما يحفزه على الإنتاجية أو يقوده للإبداع أو على الأقل يمنح الشكر المعنوي فضلاً عن المادي فالواقع أنه قابع في مرتبته الوظيفية الرتيبة ذات المزايا المادية الهزيلة التي لا تفرق بينه وبين الكاتب والسكرتير ومسجل المعلومات وغيرهم من هم دونه مؤهلاً وعملاً سوى بالمسمى الوظيفي.
المهندسون عملة نادرة في كل البلدان ارتبطت أسماءهم بالإبداع والإتقان يفكرون بطرق مختلفة ومميزة لا يملكها غيرهم فهم أصحاب مواهب متعددة وقدرات فذة خاضوا العمل في أنشطة الهندسة والعقار والتأمين والتدريب وغيرها من حقول التجارة والإدارة فكانت لهم بصمة خاصة ونكهة رائعة يعرفها المنصفون وينكرها الجاحدون ويتجاهلها المغرضون.
الحقيقة التي يجب أن يعرفها المسئول وغير المسئول أن المهندس السعودي يعول عليه قيادة المدن الاقتصادية المرتقبة وبناء المشاريع العملاقة في المراحل التنموية القادمة ويظل وطننا الأكثر افتقاراً لمهنتي الهندسة والقضاء كما يعلم العقلاء الأمر الذي يجعل إعادة النظر في وضع المهندس السعودي والعناية به وتلمس حاجاته وتحقيق تطلعاته سببا رئيسا ومؤثرا في دفع عجلة المشاريع المتعثرة وتوخي عدم تعثر المزيد ولا يخفى على المتأمل في واقع المهندس السعودي في القطاع الحكومي أنه الأسوأ حالاً مقارنة بكثير من الدول التي هي أقل شأناً من المملكة على كافة الصعد المالية والاقتصادية والتنموية.
بتعثر مشروع كادر المهندسين على أعتاب عدد من الجهات ذات العلاقة يصبح التعثر اللفظ والواقع متلازمة مع المهندس السعودي وليت سعادة المهندس محمد القويحص يحدث معلوماته ليصبح عدد المشاريع المتعثرة لدينا 2001 مشروع إذا ما أضفنا إلى رقمه مشروع كادر المهندسين المتعثر أو المعثر إن صح التعبير.
أيها المسئولون وصناع القرار تعالوا إلى كلمة سواء لإصلاح حال المهندسين المتقادم وصيانة وضعهم المتهالك فقد طال ليلهم وهم ينتظرون فجر كادرهم المنتظر وفرجهم المرتقب منذ سنوات طويلة وهم صابرون ومثابرون منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً.