الملك سلمان يوجه باستضافة الخليجيين العالقين بمطارات السعودية    الملك يوجه باستضافة كافة العالقين في مطارات المملكة من الأشقاء الخليجيين مواطني دول مجلس التعاون    تحت رعاية ولي العهد.. إحسان تنظم حفل تكريم المحسنين الجمعة القادمة    كيف يمكن أن يؤثر الهجوم على إيران على سوق النفط العالمي والاقتصاد    البحرين: الدفاع الجوي يتصدى لهجمات إيرانية جديدة ولا ضحايا أو مصابين    القيادة المركزية الأميركية: لا خسائر في قواتنا بالمنطقة    إيران تضلل العالم وتستهدف مواقع مدنية في هجماتها على دول الخليج    شباك الخليج تنهي جفاف بيريرا    النصر يعلن إصابة راغد النجار بالرباط الصليبي    مانشستر سيتي يضغط على آرسنال بفوز ثمين في معقل ليدز    حراك استثنائي يرسم خارطة جازان في أسبوع    تفعيل العربات الإسعافية الكهربائية في المدينة    طائرة مسيرة تستهدف مطار الكويت الدولي    وصول الطائرة الإغاثية السعودية ال 82 لإغاثة الشعب الفلسطيني في غزة    حين كانت القرية تكبر في قلوبنا قبل أن تكبر في العمران    الكويت: وقوع إصابات ل 3 من منتسبي القوات المسلحة في القاعدة الجوية    جمعية نالا لفنون السرد تطلق أعمالها ونشاطاتها    ولي العهد والرئيس الفرنسي يبحثان الأوضاع الخطيرة بالمنطقة    الخطوط السعودية: إلغاء عدد من الرحلات لأسباب تتعلق بالسلامة الجوية    *لقاء مفتوح يجمع رجال وسيدات الأعمال في أولى فعاليات "ديوانية غرفة تبوك" بموسمها الثاني*    أمانة تبوك تخصص 18 موقعًا لبسطة خير السعودية 2026 تخدم 164 بائع    "اجاويد في عيون العالم" بنسختها الثانية في اجاويد٤ بمحافظة سراة عبيدة.    العويران: القادسية يصنع الفارق.. وموسمه الرمضاني لوحة إبداع    المملكة تعرب عن رفضها وإدانتها بأشد العبارات للهجمات الإيرانية السافرة والجبانة التي استهدفت منطقة الرياض والمنطقة الشرقية وتم التصدي لها    أوبك بلس تعتزم دراسة زيادة الإمدادات بعد قصف إيران    ولي العهد يجري اتصالات هاتفية بقادة الإمارات والبحرين وقطر والكويت والأردن    البيئة تطلق أسبوع المياه السعودي الأول أبريل المقبل    سوريا تغلق الممرات الجوية الجنوبية أمام الطيران    الخطوط السعودية تلغي عددا من رحلاتها نظرا لتطور الأوضاع في المنطقة    كيف ابتلع نسيج نزار صالح بوقري    الجمعية الخيرية ببلسمر تطلق مبادرة تفطير الصائمين    وزارة الشؤون الإسلامية تنفّذ برنامج خادم الحرمين لتوزيع التمور في ملاوي    فهد حكمي ابتسامة الوطن التي لن تنطفئ    في أمسية طبية.. ديوانية أجاويد 4 بسراة عبيدة تناقش آلام الظهر وسبل الوقاية منها    التوقيت الزوالي في المسجد النبوي.. امتداد تاريخي لعناية المسلمين بالمواقيت    تركي آل الشيخ يعلن مواجهة أوليكساندر أوسيك وبطل الكيك بوكسينغ ريكو فيرهوفن على لقب الوزن الثقيل    «سلمان للإغاثة» يوزّع (1,000) سلة غذائية في محلية الروصيرص بولاية النيل الأزرق بالسودان    الجبيل الصناعية تحتضن معرض «آيات.. بلسان عربي مبين»    "مدرك"… من فكرة توعوية إلى قصة وعي مجتمعي تتجدد للموسم الثالث في جازان    200 مستفيد ل"عمرة القادسية الرمضانية    إفطار رمضاني يجمع المسؤولين والأهالي في قوز الجعافرة… وجولة ميدانية تعزز دعم مراكز النشاط    ذكرى يوم التأسيس .. صور مضيئة لجذور تاريخية راسخة و أمجاد حضارة    تقنية جديدة للتحكم في سلوك الحيوان عن طريق الذكاء الاصطناعي    جامعة الإمام عبدالرحمن بن فيصل تُطلق مبادرة "صحتك في رمضان"    "الغذاء والدواء" تُحذّر من عدد من منتجات حليب الأطفال لشركة "نوتريشيا دانون"    ديوانية أجاويد تحتفي بالموروث الشعبي في أمسية ثقافية تربوية بسراة عبيدة    فجر جديد من الأمن والوحدة    جمعية اقتصاديات الطاقة تُعلن تشكيل مجلس الإدارة    نفحات رمضانية    حكواتي التلفزيون..!    الأميرة سارة بنت خالد بن مساعد تكرّم بيت الشاورما تقديرًا لدعمه جمعية إنسان ورعاية الأيتام    أمير جازان ونائبه يشاركان قادة ومنسوبي القطاعات الأمنية إفطارهم الرمضاني في الميدان    ولي العهد يعزي ولي عهد الكويت    تصعيد ميداني في غزة والضفة.. هدم واعتقالات شمالاً وقصف مستمر جنوباً    19489 طالبة وطالبة يتأهلون ل«أولمبياد نسمو»    مفاوضات تختبر فرص التهدئة.. جولة حاسمة بين واشنطن وطهران في جنيف    إفطار العطيشان    صحة جازان تُحيي ذكرى "يوم التأسيس" وسط أجواء رياضية وتثقيفية ببطولة "مدرك"    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



المعيقلي في خطبة الجمعة: كيف لا نجلّ كبير السن فينا ورسولنا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول:(الْبَرَكَةُ مَعَ أَكَابِرِكُمْ)
نشر في مكة الآن يوم 17 - 03 - 2018

استهل إمام وخطيب المسجد الحرام فضيلة الشيخ الدكتور ماهر المعيقلي خطبته قائلاً: أمة الإسلام تتقلب بالإنسان مراحل حياته، فمن ضعف في المهد، لا يملك لنفسه حولاً ولا قوة، إلى أن يشتد عوده ويبلغ أشده، ثم ماهي إلا سنون وأعوام قليلة، حتى يصير إلى الضعف مرة أخرى: ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾.
لقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم يوصي بالرحمة بالضعفاء، صغارا وكبارا، أطفالا وشيوخاً، ويحث على ذلك بقوله وفعله، ففي سنن الترمذي بسند صحيح، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ( ابْغُونِي ضُعَفَاءَكُمْ، فَإِنَّمَا تُرْزَقُونَ وَتُنْصَرُونَ بِضُعَفَائِكُمْ).
قال أهلُ العلم: أي: اطلُبُوا محبَّتِي وقُربِي ورِضايَ في ضُعفائِكم، وتفقَّدُوا أحوالَهم، واعتَنُوا بهم، واحفَظُوا حُقوقَهم، واجبُرُوا قلوبَهم، وأحسِنُوا إليهم قولاً وفعلاً، ومن مظاهر رحمته صلى الله عليه وسلم بالضعفاء: رحمته بالصغار، فعن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَرْحَمَ بِالْعِيَالِ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»، قَالَ: «كَانَ إِبْرَاهِيمُ مُسْتَرْضِعًا لَهُ فِي عَوَالِي الْمَدِينَةِ، فَكَانَ يَنْطَلِقُ وَنَحْنُ مَعَهُ فَيَدْخُلُ الْبَيْتَ، فَيَأْخُذُهُ فَيُقَبِّلُهُ ثُمَّ يَرْجِعُ» رواه مسلم.
وفي صحيح البخاري: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، لرجلٍ كان لا يُقبِّل أولاده: (أَوَ أَمْلِكُ لَكَ، أَنْ نَزَعَ اللَّهُ مِنْ قَلْبِكَ الرَّحْمَةَ).
فكان صلى الله عليه وسلم يهتم بالصبيان: يخالطهم ويمازحهم، ويسأل عن أحوالهم ويراعي مشاعرهم، فعن أنس ابن مالك رضي الله عنه قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا، وَكَانَ لِي أَخٌ يُقَالُ لَهُ أَبُو عُمَيْرٍ ، وَكَانَ إِذَا جَاءَ قَالَ: (يَا أَبَا عُمَيْرٍ، مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ)، نُغَرٌ كَانَ يَلْعَبُ بِهِ، فَرُبَّمَا حَضَرَ الصَّلاَةَ وَهُوَ فِي بَيْتِنَا، فَيَأْمُرُ بِالْبِسَاطِ الَّذِي تَحْتَهُ ، فَيُكْنَسُ وَيُنْضَحُ، ثُمَّ يَقُومُ وَنَقُومُ خَلْفَهُ، فَيُصَلِّي بِنَا) رواه البخاري.
وكان بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم رفيقاً بهم، يراعي طفولتهم، وحاجتهم إلى اللعب، فيؤدب ولا يثرّب، ويذكر ولا يوبخ، ففي صحيح مسلم، قَالَ أَنَسٌ رضي الله عنه: (( كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ خُلُقًا، فَأَرْسَلَنِي يَوْمًا لِحَاجَةٍ، فَقُلْتُ: وَاللهِ لَا أَذْهَبُ، وَفِي نَفْسِي أَنْ أَذْهَبَ لِمَا أَمَرَنِي بِهِ نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَخَرَجْتُ حَتَّى أَمُرَّ عَلَى صِبْيَانٍ وَهُمْ يَلْعَبُونَ فِي السُّوقِ، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَدْ قَبَضَ بِقَفَايَ مِنْ وَرَائِي، قَالَ: فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ يَضْحَكُ، فَقَالَ: (( يَا أُنَيْسُ، أَذَهَبْتَ حَيْثُ أَمَرْتُكَ؟ )) قَالَ قُلْتُ: نَعَمْ، أَنَا أَذْهَبُ يَا رَسُولَ اللهِ .
وأردف المعيقلي قائلاً: أمة الاسلام وكما أمر صلى الله عليه وسلم بالرحمة والعطف على الصغير، أمر كذلك باحترام الكبير وتوقيره، وحسن رعايته وإجلاله، فعن أَنَس بْن مَالِكٍ رضي الله عنه قال: جَاءَ شَيْخٌ يُرِيدُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَبْطَأَ القَوْمُ عَنْهُ أَنْ يُوَسِّعُوا لَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَيُوَقِّرْ كَبِيرَنَا )). رواه الترمذي بسند صحيح، أي: ليس على هدينا وطريقتنا، من لا يعطف ويرفق بصغيرنا، ولا يجل ويوقر كبير السن فينا، فيقدمه على غيره من الناس؛ لشيبته في الإسلام، وتقدم سنه وضعفه، وفي شعب الإيمان، بشَّرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَنْ يرحم الصغير ويوقِّر الكبيرَ، بمرافقتِهِ فِي الجنةِ، فعَنْ أنَسِ بنِ مالكٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( يَا أَنَسُ، وَقِّرِ الْكَبِيرَ وَارْحَمِ الصَّغِيرَ، تُرَافِقُنِي فِي الْجَنَّةِ )).
فيا معاشر المؤمنين: كيف لا نجلّ كبير السن فينا، ورَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول:(إِنَّ مِنْ إِجْلَالِ اللَّهِ، إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ). رواه أبو داود بإسناد حسن، كيف لا نوقر كبيرنا، ورسولنا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول:(الْبَرَكَةُ مَعَ أَكَابِرِكُمْ). رواه ابن حبان في صحيحه.
وبين فضيلته يا من تبحثون عن الخير والبركة في حياتكم، تلمسوها مع كبار السن فيكم، إنها بركة البر والإحسان، والرأي والمشورة، والمجالسة والمؤانسة، و يا كبار السن: رحم الله ضعفكم، وجبر كسركم، وضاعف حسناتكم، فأنتم الذين قدّمتم وضحيتم، وربيتم وعلمتم، ولئن نُسِيَ فَضلُكُم، فإن الله لا ينسى، ولئن جُحِدَ مَعرُوفُكُمْ، فإن البر لا يبلى، ثم إلى ربكم المنتهى، وعنده سبحانه تجدون الجزاء الأوفى، والجزاء من جنس العمل، فمن أكرم ذا شيبة مسلم، أطال الله في عمره، وقيض له من يحسن له في كبره، ففي سنن الترمذي، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَا أَكْرَمَ شَابٌّ شَيْخًا لِسِنِّهِ، إِلَّا قَيَّضَ اللَّهُ لَهُ مَنْ يُكْرِمُهُ عِنْدَ سِنِّهِ).
وأشار المعيقلي: أن من حق كبار السن علينا، إكرامَهم وتوقيرَهم، وتزيينَ صدورِ المجالس بهم، ومناداتِهم بأحب الأسماء إليهم، والبشاشةَ في وجوههم، والعفوَ والصفحَ عن زلاتِهم وهفواتِهم، وذكرَ محاسنهم وأعمالهم، فهم أشدُّ ما يكونون رغبة في الحديث عن ماضيهم وإنجازاتهم.
وهذا رسولنا صلى الله عليه وسلم، على جلالة قدره، يعلمنا كيف يكون إجلالُ الكبير وتوقيرُه، ومؤانستُه وملاطفتُه، ففي مسند الإمام أحمد، جَاءَ أَبُو بَكْرٍ بِأَبِيهِ أَبِي قُحَافَةَ، إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، يَحْمِلُهُ حَتَّى وَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي بَكْرٍ:(لَوْ أَقْرَرْتَ الشَّيْخَ فِي بَيْتِهِ، لَأَتَيْنَاهُ)، ثم دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم للإسلام فأسلم.
وفي الشمائل للترمذي، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: " دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَعِنْدِي عَجُوزٌ مِنْ بَنِي عَامِرٍ، فَقَالَ: مَنْ هَذِهِ الْعَجُوزُ؟ " , فَقُلْتُ: مِنْ خَالَاتِي، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، ادْعُ اللهَ أَنْ يُدْخِلَنِي الْجَنَّةَ، فَقَالَ:( يَا أُمَّ فُلَانٍ، إِنَّ الْجَنَّةَ لَا تَدْخُلُهَا عَجُوزٌ)، فَوَلَّتْ تَبْكِي، فَقَالَ: (أَخْبِرُوهَا أَنَّهَا لَا تَدْخُلُهَا وَهِيَ عَجُوزٌ، إِنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً* فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا * عُرُبًا أَتْرَابًا).
ولا شك معاشر المؤمنين، أن كبر السن، مظنة السآمة والتعب، والوهن وضعف الجسد، وما يكون نتيجة لذلك، من قلة الصبر وحدة اللسان، ومع ذلك، فقد كان صلى الله عليه وسلم يُداريهم، ويعطف عليهم، ويُعطيهم ويُسلِّيهم، كلُّ هذا لأجل شيبتهم في الإسلام، وسنِّهم وضعفهم.
وبين فضيلته أن رعاية كبار السن، والقيام على مصالحهم وشؤونهم، من أعظم القرب، وأجَلِّ الوسائل لتفريج الكرب، وتيسير كل أمر عسير، وخاصة إذا كان كبير السن أبا أو أما، كما في الصحيحين من قصة النفر الثلاثة، الذين آوَاهم المبيت إلى غارٍ ، فدخلوا فيه فانحدرت عليهم صخرة، فسدت عليهم الغار، فتوسل كل واحد منهم بصالح أعماله، فكانت وسيلة أحدهم، قيامه بهذا الحق العظيم، حق رعاية أبويه الشيخين الكبيرين، فكان سببا في نيل مطلبه وتفريج كربته .
بل إن السعي على الأبوين، الشيخين الكبيرين، ميدان من ميادين الجهاد في سبيل الله، ففي معجم الطبراني: عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ، فَرَأَى أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مِنْ جَلَدِهِ ونَشَاطِهِ مَا أَعْجَبَهُمْ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ كَانَ هَذَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى وَلَدِهِ صِغَارًا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِنْ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى أَبَوَيْنِ شَيْخَيْنِ كَبِيرَيْنِ فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ يَسْعَى عَلَى نَفْسِهِ يَعِفُّها فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ رِيَاءً وتَفَاخُرًا فَهُوَ فِي سَبِيلِ الشَّيْطَان).
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾.
واستهل المعيقلي خطبته الثانية قائلاً: معاشر المؤمنين إن الفسحة في العمر، نعمة عظيمة، يَمُنُّ الله بها على من شاء من عباده، فاستثمروا يا عباد الله، هذه النعمة فيما يرضي ربكم, ويعلي منزلتكم, واستدركوا ما فات، بالاستعداد لما هو آت، فليس فيما بقي من العمر، أطول مما فات, ولنجعل مسك ختام العمر طاعة, من ذكر وصلاة وصيام، وصدقة واستغفار ، فإنما الأعمال بالخواتيم، ومن عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بعث عليه.
وقد يدرك العبد بطول العمر مع حسن العمل، أعظم من درجة المجاهد في سبيل الله، ففي مسند الإمام أحمد، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ رضي الله عنه: أَنَّ رَجُلَيْنِ قَدِمَا عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَ إِسْلامُهُمَا جَمِيعًا، وَكَانَ أَحَدُهُمَا أَشَدَّ اجْتِهَادًا مِنْ صَاحِبِهِ، فَغَزَا الْمُجْتَهِدُ مِنْهُمَا فَاسْتُشْهِدَ، ثُمَّ مَكَثَ الْآخَرُ بَعْدَهُ سَنَةً ثُمَّ تُوُفِّيَ، قَالَ طَلْحَةُ: فَرَأَيْتُ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ، كَأَنِّي عِنْدَ بَابِ الْجَنَّةِ، إِذَا أَنَا بِهِمَا، وَقَدْ خَرَجَ خَارِجٌ مِنَ الجَنَّةِ، فَأَذِنَ لِلَّذِي تُوُفِّيَ الْآخِرَ مِنْهُمَا، ثُمَّ خَرَجَ فَأَذِنَ لِلَّذِي اسْتُشْهِدَ، ثُمَّ رَجَعَا إِلَيَّ فَقَالا لِي: ارْجِعْ فَإِنَّهُ لَمْ يَأْنِ لَكَ بَعْدُ، فَأَصْبَحَ طَلْحَةُ يُحَدِّثُ بِهِ النَّاسَ، فَعَجِبُوا لِذَلِكَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: (مِنْ أَيِّ ذَلِكَ تَعْجَبُونَ؟) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا كَانَ أَشَدَّ اجْتِهَادًا ثُمَّ اسْتُشْهِدَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَدَخَلَ هَذَا الْجَنَّةَ قَبْلَهُ، فَقَالَ: (أَلَيْسَ قَدْ مَكَثَ هَذَا بَعْدَهُ سَنَةً؟) قَالُوا: بَلَى، قال: (وَأَدْرَكَ رَمَضَانَ فَصَامَهُ؟) قَالُوا: بَلَى، قال: (وَصَلَّى كَذَا وَكَذَا سَجْدَةً فِي السَّنَةِ؟) قَالُوا: بَلَى، قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( فَلَمَا بَيْنَهُمَا أَبْعَدُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ).
فهنيئا لمن طال عمره وحسن عمله، ويا خسارة من أمد الله له في عمره، ورزقه عافية في جسده، ثم لا يكون عمله في رضى ربه، فعن بْنِ أَبِي بَكْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ، قَالَ: (مَنْ طَالَ عُمُرُهُ، وَحَسُنَ عَمَلُهُ)، قَالَ: فَأَيُّ النَّاسِ شَرٌّ؟ قَالَ: (مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَسَاءَ عَمَلُهُ ). رواه الترمذي بسند صحيح.
فنسأل الله تعالى، بفضله وكرمه، وجوده ومنته، أن يمن علينا بطول العمر وحسن، إنه سميع قريب مجيب الدعاء.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.