قبل ما يقارب عقدًا من الزمن كتبتُ مقالة أشرت فيها إلى أن الحرب السورية، مهما طالت قسوتها، ستترك خلفها مادة درامية هائلة، قلت يومها إن الحروب الطويلة لا تخلّف الخراب فقط، بل تخلّف أيضًا طبقات كثيفة من الحكايات الإنسانية التي تنتظر من يرويها، فالإنسان (...)
حين أتأمل الطفرة الروائية السعودية في العقدين الأخيرين، لا أراها مجرد تزايد في عدد العناوين على رفوف المكتبات، بل أراها تحوّلًا عميقًا في الوعي، وفي الجرأة على مساءلة الذات والمكان والزمن، هذه الطفرة ليست حدثًا عابرًا في مشهد ثقافي، بل مادة خام (...)
في كل عام مع اقتراب شهر رمضان يتكرر سؤالٌ ضمني «لماذا أصبح هذا الشهر تحديدًا موسمًا رئيسًا للأعمال الدرامية، رغم طابعه الروحاني، وضيق وقته بين الصيام والعبادات والالتزامات الأسرية؟ وكيف تحوّل إلى ذروة الإنتاج التلفزيوني، حتى باتت شركات الإنتاج (...)
لم يتكاثر الفلاسفة في مجالس الشعراء فجأة، بل كانوا هناك منذ البداية، متخفّين في ثياب الأوزان واللغة المتجددة، جالسين في ظلّ الاستعارة، يراقبون الكلمات وهي تكبر مثل شجرٍ جانبي على طرقات الأسئلة، فلم يكن الشعر يومًا بعيدًا عن الفلسفة، بل كان صورتها (...)
ما زلتُ على الرغم من ازدحام المدن وارتفاع أبراجها، أحتفظ بهويّتي القروية كأنها جذع شجرةٍ قديمة لم تقلعها رياح الحداثة، هناك في القرى، لا يكون التاريخ كتابًا على الرف، بل هيئةً في الوجوه، وطريقةً في المشي، ونبرةً في الكلام، وحكايةً تتكرّر كل مساء على (...)
في إحدى الإشارات اللافتة، دعا الأستاذ عبدالعزيز النصافي من خلال حسابه على منصة X إلى تخليص الشعر من فن الهجاء، -وجاءت دعوته على شكل أمنية- لا بوصفه حذفًا من الذاكرة الأدبية، بل بوصفه مراجعة أخلاقية لوظيفة الشعر في زمن تغيّرت فيه طبيعة الخصومة، (...)
حين نستدعي الماضي، فإننا لا نستدعيه كما كان، بل كما نحتاجه أن يكون، فلا نجده حينها إلا حديقةً نظيفة من الأشواك، أو بيتًا بلا تشققات، وجوهًا بلا قسوة، وأيامًا بلا ندم، فنحن نعيد تركيبه في الذاكرة كما يعيد شاعر ترتيب القصيدة حيث نحذف منه ما يوجع، (...)
لم تكن الخرافة في تاريخ الإنسان نقيضًا للعقل كما ترسّخ في وعينا الحديث، بل كانت -على نحوٍ خفي- بذرة العقل الأولى، وخطوته المرتبكة في الظلام، فالإنسان لم يبدأ رحلته مع الاكتشاف من المختبر، بل من الحكاية.. لم يخترع لأنه امتلك أدوات العلم، بل لأنه (...)
أحسب أنّ أكثر ما يرهق الإنسان ليس ما يفقده، بل ما يطارده من صورةٍ يتخيّل أنّه كان يجب أن يكونها ولم يكن، ذلك الصوت الخفي الذي يهمس في داخله «كان يمكن أن تكون أكثر، أصفى، أنقى، أبعد... «فيظل العمر كله مطاردا لنسخة متخيّلة من الذات، لا تمسك بها اليد (...)
في التحولات الكبرى التي شهدها المشهد الثقافي السعودي خلال الأعوام الأخيرة، لم يكن برنامج الشريك الأدبي مجرد آلية دعم للفعاليات، بل كان في جوهره إعادة اكتشافٍ ذكي لأماكن الثقافة نفسها، ومن بين أكثر هذه الاكتشافات دلالة وعمقًا، حضور المقاهي العامة (...)
في المقالة السابقة المعنونة ب»بشارة رقمية» وبعد أن جرى تفكيك مفردة «أبشر» بوصفها فعلَ بشارةٍ رقميّة، لا تكتفي بالخدمة بل تُعيد تعريف العلاقة بين اللغة والدولة، جاءت تجربة «توكلنا» امتدادًا طبيعيًا لذلك الوعي اللغوي ذاته، ولكن في ظرفٍ عالمي أكثر (...)
في كل مرة يرحل فيها مبدع، يتأخر الرفاق خطوة، ثم يستديرون فجأة ليلوّحوا له بالورود، كأنَّ الموت هو الضوء الوحيد الذي يُحسن إضاءة الوجوه، أو كأنَّ الغياب شرطٌ متأخر للاعتراف، هذه المفارقة ليست عابرة، بل هي ظاهرة إنسانية ضاربة في عمق الوجدان والتاريخ.. (...)
الكلمات ليست محايدة كما نتصوّر، ولا بريئة كما تبدو في ظاهرها، بعض الكلمات تحمل في جوفها تاريخًا من الشعور الجمعي، وتختزن طبقات من المعنى تتجاوز القاموس إلى الذاكرة، ومن الدلالة اللغوية إلى الأثر النفسي والاجتماعي، من بين هذه الكلمات، تقف كلمة «أبشر» (...)
مع تتابع الأحداث وتسارع الضوء وضمور ساعات التأمل.. يطل الشعر برأسه من بين أنقاض اليومي لا بوصفه سيّد المشهد، بل شاهده الأخير، لم يعد الشعر ذلك الكائن الذي امتلك زمن إرادته ووعيه، حين كان الشاعر وزير رؤياه، وحارس معناه، وقائداً لوعيه الجمعي، بل أضحى (...)
لا أعرف حقًا هل تختار القصائدُ زمنَها، أم أن الزمن هو من يفتح لها بابًا سريًا لتتخلّق فيه، كثيرٌ من النصوص، بل حتى الأبيات المفردة، تبدو كأنها تنتقي لحظتها المخصوصة كي تُولد، ثم تمضي في الوجود بقدرٍ من الدهشة يجعل شاعرها نفسه في ورطةٍ مع التكرار؛ (...)
ليس غريبًا أن يعود الجدل -بعد عقدين من الزمان- ليمسك بأطراف رواية بنات الرياض للطبيبة رجاء الصائغ كما لو أنها لم تُكتب أمس، وكأن الزمن لم يَسْتَدِر دورته الكاملة بعد؛ ذلك أن بعض الأعمال لا تعيش في زمنها فقط، بل تظلّ تضيء المناطق المعتمة في وعينا (...)
في الوقت الذي لا نزال فيه ندور - بوعي مُرتبك أحيانًا - حول محيط تاريخنا، لم نمدّ بعد أصابع الدهشة إلى العمق الذي ينتظر أن نلمسه؛ ذلك العمق المزدحمُ برحيل القبائل، وبصدى خطوات الأجداد، وبالوجوه التي حفرتها الشمسُ ونسيتها الرواية، لا نعرف حقًّا متى (...)
في ظل ما تشهده المملكة من تحولات نوعية نحو الرقمنة ضمن مستهدفات رؤية 2030، تتجه القطاعات الحكومية بخطى متسارعة نحو تطوير خدماتها وتسهيل إجراءاتها للمستفيدين. وقد أصبحت شعارات مثل «نحو خدمات أجمل» و«كل شيء صار إلكتروني وسهل» مألوفة في الخطاب (...)
الماضي.. ذلك الظلّ الذي يمدّ يده من عمق الذاكرة ليعيد ترتيب أرواحنا كما يشاء، جعلناه دائمًا مرجعًا للقيم والمبادئ الأولى، وبالتالي حرصنا على أن نستعيره تربيةً ومثالًا لكل ما ظننّا أنه الخير المطلق، فنعود إليه كلّما اختنق الحاضر بحداثته، نلوذُ به، (...)
لم تنشغل الأرض يومًا، بكلّ ما دار فوقها من حروبٍ ومصالحٍ وتحوّلاتٍ، كما انشغلت بكرة القدم، هذه اللعبة الصغيرة التي تدور بين قدمين، كرةٌ لا تعرف اللغة لكن تتكلّمها جميع الألسن، تمرّر سحرها وخديعتها بأناقةٍ مدهشة، تُبهر وتُضلّل في الوقت ذاته، وتجمع (...)
منذ أن نطق العربيّ أوّل بيت شعر له، لم يكن حينها يكتب الشعر ليتباهى ببلاغته وفصاحة لسانه ومهارته اللغوية، بل ليوثّق ما لا تُوثّقه السيوف، ولا تدركه الروايات، فالشعر في جذره الأوّل ليس فناً للزينة، بل آلية بقاء، ووسيلة نجاةٍ من الفناء، كأنّ القصيدة (...)
الشعرُ في جوهره العميق ليس قولًا جميلاً ولا حرفةً لفظيةً تُنَظَّمُ كما تُنَظَّمُ القصائد لجوائز دورية، هو لحظةُ وعيٍ متوهّجة، ينفلت فيها الوجودُ من عقال اللغة ليعبّر عن نفسه عبرها، كينونةٌ تتجلّى في الكلمة، كما يتجلّى الضوء في قطرة ماء، ولهذا ضلّ (...)
القصيدة لا تُولد من لحظةٍ عابرة، بل من سرٍّ قديمٍ ظلّ يتربّص بالزمن حتى يكتمل نُضجه في صمت الوجود، هكذا أراها بعد أكثر من ثلاثين عامًا برفقتها، قارئًا وشاعرًا، فالكلماتُ التي تخلَق في ساعتها، تختار زمنها كما تختار الأرواحُ موطنها الأول، تأتي حين (...)
من المدهش أن يظلّ التاريخ العربي يُتلقّى في الغالب على هيئة حكاية، وكأنّ السرد في ثقافتنا كان دائمًا الوسيط الأسبق للفهم والتأويل، فقبل أن نعرف الوثيقة أو المنهج النقدي، كانت الذاكرة الشفوية هي المؤرخ الأول، والراوي هو الحافظ للزمن، وهذا ما يجعل (...)
الشمسُ تعرفني الصباحيّ الذي
ترك الحكاية للصباح.. ونام عن ليل الظنون
أكثر من عقد ونصف مضى من عمري آخيتُ فيه الصباح، بعد أن قضيت عمرًا ساهرًا ليله.. فلا يجيئني حينها إلا كفقّاعة ضوء تنفجر في عينيّ لتدميَ الصحو فيهما..!
كنتُ حينها أدّعي أنني من قبيلة (...)