أنا من جيل سعودي يقع دائمًا بين ضفتين: ضفة الجوع وضفة الشبع، وضفة الفقر والغنى، وضفة الجهل والتعلم، وضفة حجاب بن نحيت، رحمه الله، وفيروز أطال الله بقاءها. انتقلت فجأة من أغنية فهد بن سعيد (ألا ليت البكاء بيرد غالي..) إلى أغنية أم كلثوم: (ما أطال النوم عمراً...). نحن، من هم فوق الخمسين الآن، جيل صاحب حظ عظيم؛ لأنه عرف كل شيء وجرب كل شيء: منتهى قسوة الحياة وشظف عيشها إلى منتهى نعومتها ودلالها. كنا وما زلنا نأكل الكبسة بالمخمس بينما تعلمنا، في مدارس أوروبا، الإتيكيت إلى درجة أننا أصبحنا نفرق بين أنواع الملاعق، أي ملعقة للشوربة وأي ملعقة للطعام وكيف نمسك الشوكة باليسار ونقطع باليمين. لكن ما مناسبة هذا الكلام أو هذا الاعتراف؟! الحقيقة أن رحيل حجاب بن نحيت ذكرني بتلك الفترة من صباي حين كانت اسطواناته تلعلع في بيت جدتي وبيوت جيرانها في الهجرة النائية شرق الرياض. كانوا وقتها يقارنون بينه وبين خلف بن هذال، كما يقارن جيل الثمانينات بين محمد عبده وطلال مداح، وكما يقارن جيل اليوم بين نانسي عجرم وشيرين عبدالوهاب. كانت تلك الحقبة، الخَلفية أو الحِجابية، بسيطة ومفعمة بالقلوب الصافية الطاهرة التي تعبر عن مكنوناتها بمنتهى الولع وبمنتهى الذوق. لا إسفاف ولا تعدي ولا شتائم كما يحدث في هذه السنوات بعد أن اسودّت القلوب وساد طبع التفتيش في القلوب والنوايا. لم يكن أحد يدعي أنه أفضل في غنائه أو أحسن في أخلاقه؛ لأن لا أحد تربى على الفوقية أو التقليل من شأن الآخرين. غاب ذلك الزمن الجميل وغُيبت رموزه في حياتها، كما غيب الموت أغلب هذه الرموز الخالدة في ذاكرتنا المحلية الشعبية. وما زلنا، مع كل رحيل لواحد من نجوم تلك الحقبة، نردد مع حجاب بن نحيت: «أدق الصدر وأتبع ونتني ونات... أجاذبها من أقصى ضامري والناس هجاعي». رحمه الله ورحم موتاي وموتاكم.