واقع العالم العربي اليوم بات أكثر تشظياً مما كان عليه مع مفتتح القرن العشرين أو قبل مائة عام عن العام الثاني على الحرب العالمية الأولى وهو العام الذي قرر العرب الدخول في الحرب إلى جانب الحلفاء (بريطانيا وفرنسا وايرلندا والامبراطورية الروسية) ويومها بنيت الآمال على الخلاص العربي، لكنها لم تأت بدولة الوحدة والأمة. آنذاك وعقب الحرب اتخذ المجتمع الدولي اجراءاته العقابية ضد ألمانيا بعد معاهدة فرساي الشهيرة عام 1919، ويومها كانت ألمانيا الخاسر الأكبر جغرافيا وبشريا واقتصاديا وقيدت المعاهدة صلاحيات الجيش الألماني وعدده، وألزمت ألمانيا بدفع تعويضات الحرب، وبشكل مذل للألمان، كما قسم الشرق العربي بعد ثورة الشريف الحسين بن علي إلى دول صغيرة أخضعت للهيمنة والادارة الغربية بموجب اتفاقية سايكس بيكو، فوضع الأردنوفلسطين والعراق تحت الحكم البريطاني، وسوريا ولبنان تحت الانتداب الفرنسي. خرج العرب بخسارة كبرى، بعد أن كانت أسئلتهم عن النهضة والترقي وبلوغ الحرية تملأ الجمعيات والأحزاب العربية في الحواضر العربية الكبرى، وانتهت تلك الأسئلة بعد العام 1920 من سؤال الانفكاك عن العثمانيين الى سؤال التحرر من قبضة الغرب. وبدأت جولة جديدة للعرب مع الغرب ومع المشروع الصهيوني في فلسطين. قبل الحرب الكونية الكبرى خاض المصلحون العرب جدل التغريب والإصلاح ومناهضة الاستبداد، وحين يذكر الاستبداد يذكر السيد عبدالرحمن الكواكبي، أكثر رجال الاصلاح العربي فهماً لمخاطر الاستبداد. والذي حدد الاستبداد بالوصف بقوله: فهو صفة للحكومة المطلقة العنان فعلاً أو حكماً التي تتصرف في شؤون الرعية كما تشاء بلا خشية ولا عقاب محققين، وتفسير ذلك هو كون الحكومة إما هي غير مكلفة بتطبيق تصرفها على شريعة، أو على أمثلة تقليدية أو على إدارة الأمة، ويضيف الكواكبي في وصف أشد مراتب الاستبداد بأنها التي «يتعوذ بها من الشيطان هي حكومة الفرد المطلق». وكان الكواكبي آنذاك ينتقد زمنه السياسي الذي بلغ فيه الاستبداد التركي الحميدي أشد مراتبه، لكن هذه الجولة في مواجهة الاستبداد وطلب الاصلاح انتهت بعد الحرب العالمية الأولى الى مواجهة مشروعين غربيين هما الاستعمار والهيمنة الغربية، وكذلك المشروع الصهيوني. وما كادت الدولة الوطنية تنجز حتى عاشت على هاتين العداوتين: الغرب الامبريالي والصهيونية. وكان ذلك سبباً لتحكم الوعود القومية والمقاومة التي جاء بها العسكر بمصائر الشعوب العربية وغابت التنمية والدمقرطة. ومع أن مثقفين عربا استمروا بالمطالبة بإرث الكواكبي وأحمد لطفي السيد وغيرهما إلا أن الآمال الاصلاحية بدولة ديمقراطية انتهت تحديداً بعد العام 1952 أي بعد ثورة تموز في مصر وما اعقبها من سلسلة انقلابات في سوريا والعراق وليبيا وتونس وموريتانيا واليمن. وبعد هذا التاريخ بدأ رواج مقولة استعصاء العصرنة العربي، وكانت هذه الفترة قد شهدت تمكن جماعة الاخوان المسلمين وولادة تنظيمها واستقرار تأسيسها خارج مصر. وقد تحالف الاخوان مع معظم الأنظمة العربية في مواجهة دعاة العصرنة الذين غالباً ما طوردوا واتهموا بالتخابر مع الغرب وتفكيك الأمة وتمزيق الأوطان، وانتهى قسم منهم مبعدين أو اختاروا الغربة. وفي ذات السياق تمكنت بعد العام 1990 النخبة الليبرالية الرأسمالية التي لم تقدم برنامجا وطنيا للعصرنة بل شجعت على اقتصاد السوق، والمزيد من التبعية للغرب، وتنامي الفساد. وهذه النخبة الملتحقة بالغرب وخاصة امريكا لا تمت بصلة لتيار الليبرالية العربية الذي أسسه احمد لطفي السيد مفتتح القرن العشرين. اليوم هوية الأمة- إن كان مقبولاً الحديث بخطاب الأمة- ما زالت تقوم على أسئلة النهضة العربية التي صاغها الاصلاحيون العرب في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، فما زالت أقوال الكواكبي حاضرة وكذلك الحال مع طروحات فرح أنطون الداعية الى التسامح ونبذ التعصب، لكن هل الهوية المطلوبة لأبناء الدول الوطنية اليوم ينبغي أن تدور في اطار الأمة أم أنها يجب أن تتكيف مع منجز الدولة المعاصرة القائمة دون أن تنتزعها عن انتمائها للأمة؟ نقول إنه حتى يتسنى للعصرنة أن تنفذ الى دولنا، وأن تنجح، فمن المهم أن تكون الهوية السائدة هي هوية الدولة ذات السيادة التي ينتمي إليها الفرد كمواطن. مع الالتزام بكل ما تعنيه المواطنة من حقوق وواجبات تجاه دولته ووطنه، وأن يتجه الأفراد إلى التنظيم المدني والاحزاب الفاعلة البرامجية وتحقيق مبادئ الحكم الرشيد من شفافية وعدالة ومكافحة الفساد. أخيراً، هل يفيد العرب من الدرس الألماني الذي نهض بعد الحرب العالمية الأولى والثانية وبات اليوم من أقوى الاقتصاديات والدول الثماني، هل نعتبر من الدرس الياباني الذي لحقة الدمار في الحرب العالمة الثانية وبدأ نهضته بالتعليم والعودة للتربية؟، هل نجرب تجربة دول امريكا اللاتينية التي انتشلت مجتمعاتها من الفقر بالعصرنة ومحاربة الفساد، أم أننا سنظل في مدار البحث عن دولة الوحدة والأمة التي لم ينجز منها شيء حتى الآن؟