قام البنك المركزي في روسيا بتخفيض سعر الفائدة الرئيسي لديه من 17 إلى 15% في الفترة الأخيرة في تحرك توقعه قليلون، مسببا تراجعا في قيمة الروبل. يبين هذا التسلسل في الأحداث أن الكرملين لا يزال يرى تخفيض قيمة العملة كأفضل صديق له وهو حريص على مساعدة المصارف والشركات في تجاوز الأزمة. بالنسبة للشعب الروسي، الذين يواجه تضخما كبيرا نتيجة لذلك، من المتوقع فقط أن يتحلوا بالصبر بينما تقوم حكومتهم ببذل قصارى جهدها في التعامل مع هجوم غربي على روسيا الأم. لقد قام البنك المركزي برفع سعر الفائدة إلى 17 من 10.5%، بينما تتبَّع الروبل بصورة أو بأخرى سعر النفط الهابط. لكن على أية حال أخفقت تلك الخطوة في تحقيق استقرار أسعار الصرف، لأن البنوك والاعمال التجارية ترى أن الاستثمار في الأصول المقومة بالروبل مخاطرة كبيرة جدا تقريبا بغض النظر عن العوائد المقترحة، وكانت استقلالية البنك المركزي نفسه عن نفوذ الكرملين موضع تساؤل بشكل متزايد. ومن ثم كان على البنك المركزي والحكومة أن يحققا استقرارا في سعر الصرف بوسائل أخرى، مثل اللجوء إلى الاحتياطيات الدولية، التي كان مقدارها 33.4 مليار دولار في شهر ديسمبر لوحده، والطلب من الشركات الكبرى بيع العملات الأجنبية. هذا الأمر كان مجديا حتى نهاية شهر ديسمبر، وعمل على تهدئة الروس قليلا قبل حلول عطلة الأيام العشرة للسنة الجديدة التي تشل حركة البلاد دائما. ومن ثم استأنف الروبل هبوطه، متراجعا حتى لمستوى أخفض مقابل الدولار الأمريكي قبل نهاية كانون الثاني مما كان عليه خلال فترة ارتفاع سعر الفائدة في شهر ديسمبر. في الوقت نفسه، بقي سعر الفائدة الرسمي من البنك المركزي على حاله عند 17%، وذلك لم يسعد أحدا. قالت البنوك والشركات: إن سعر الفائدة المذكور يعمل على خنق كل نشاطات الإقراض. في الثالث عشر من يناير، قدم رئيس الوزراء الأسبق يفغيني بريماكوف، أحد الشخصيات الأكثر احتراما بين الروس المحافظين، لا سيما اللوبي العسكري - الصناعي، خطابا رئيسيا انتقد فيه وبشدة البنك المركزي. قال بريماكوف: «ينبغي على الاستقرار المالي أن يخدم النمو الاقتصادي، لكن في الممارسة العملية، لا يحدث هذا لأن الإقراض للقطاع الحقيقي في الاقتصاد ليس مضمونا». وأضاف: «يمكن وصف الارتفاع في سعر الفائدة الرئيسي من البنك المركزي إلى نسبة 17% كأنه عملية جراحية. لكن مثل هذه الجراحة يجب أن تندرج في إطار زمني محدود للغاية». كان هذا مجرد توضيح ظاهر لضغوط الأعمال الروسية الشرسة لخفض سعر الفائدة. كان ذلك فقط مسألة وقت قبل أن يقدم البنك المركزي ردة فعله، حيث إن معدل الإقراض المرتفع للبنك لم يقدم خدمة مجدية على أية حال، لأن الروبل واصل هبوطه، وهذا الشهر يعتبر العملة الثانية ذات الأسوأ أداء في العالم بعد الروبل البيلاروسي. كان الجزء الصعب في المعادلة هو تخفيض سعر الفائدة دون إحداث حالة من الذعر. في بيان له يبرر فيه تراجع سعر الفائدة، قال البنك المركزي: إنه أقل قلقا إزاء التضخم من إعاقة النمو الاقتصادي، وقال أيضا: إن التضخم كان يتم التلاعب به تقريبا بعد حدوث انفجار قصير الأمد ناجم عن تخفيض قيمة الروبل، في حين كان الإقراض في تباطؤ. في هذا الحالة، قد يكون لانخفاض أسعار الفائدة معنى. لكن لم يقم تجار العملة بقبول هذه الحجة بالضبط، وهذا هو السبب في غرق الروبل مقابل الدولار مباشرة بعد الإعلان عن سعر الفائدة. على أية حال، ربما لا يهتم البنك المركزي كثيرا بذلك، وقد أشار في بيانه إلى إنه يقدِّر أن يصل النمو الاقتصادي في عام 2014 إلى نسبة 0.6%. كتب كريس ويفر، الشريك المؤسس لماكرو-أدفايزري، شركة استشارية للمستثمرين في اقتصادات ما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، في إصدار جديد بأن روسيا تجنبت حالة الانكماش «بسبب التأثير الإيجابي على الطلب المحلي نظرا لانهيار الروبل وانغلاق الطريق أمام الكثير من المواد الغذائية المستوردة. أسهم الإنفاق المرتفع في قطاع الدفاع أيضا إلى نمو قطاع التصنيع». خلال الأشهر الستة الأولى من عام 2015، يتوقع البنك المركزي بأن يكون تخفيض قيمة العملة غير كاف لتجنب النمو السلبي بنسبة 3.2%، وقد يكون هذا بسبب قيامه بتقليل قيمة احتمالية وجود جانب سلبي للروبل. لا توجد أي نية سياسية لدى الكرملين لدعم العملة. وفي ذلك يشير ويفر: يبدو أن حقيقة السماح للروبل بأن يعوم بحرية، على الرغم من التدخلات المنتظمة للحيلولة دون حدوث انهيار كامل وأزمة غير منضبطة مع هبوط أسعار النفط، فيها عنصر سياسي قصير الأجل بالإضافة إلى أثر إيجابي على الاستعاضة عن الواردات. بالنسبة للروبل، الفائض لعام 2014 والعجز الأكثر قابلية للإدارة المتوقع في عام 2015 يعني أنه يمكن أن ترتبط المعاشات التقاعدية ومعظم مرتبات القطاع العام بمؤشرات معينة لحماية مجموعة الرئيس بوتين الأساسية من الآثار المدمرة للتضخم المتضاعف. حتى في ظل أسعار النفط الحالية، سوف يبقى لروسيا فائض معقول في الحساب الجاري، الذي - طالما لم يتم استخدام الاحتياطيات في محاولة للدفاع عن الروبل - سوف يمكِّن روسيا من التعامل مع مبلغ 105 مليارات دولار كمدفوعات ديون خارجية مستحقة خلال العام الجاري. بأخذ ذلك بعين الاعتبار وكذلك احتياجات ناخبي بوتين الفقراء نسبيا والمعتمدة على الروبل، كل ما على الحكومة القلق حياله هو الحيلولة دون حدوث أزمة مصرفية والإبقاء على الاستثمار الصناعي من الهبوط بشكل حاد، بعد تقلصه بنسبة 2.9% في عام 2014. يتوقع بنك سوسييتيه جنرال انخفاضا في الاستثمار العام بنسبة 6.5% لهذا العام، لكن تخفيض سعر البنك المركزي ينبغي أن يعمل على تحسين ذلك نظريا. لذلك توقع المزيد من الانخفاضات في أسعار الفائدة في الشهور المقبلة. سيسبب استمرار الانخفاض في قيمة العملة الضرر فقط للطبقة الروسية المتوسطة، التي تسافر بانتظام إلى الخارج وتشتري الكثير من السلع المستوردة. فيما يخص الحكومة/ فمن رأيها أن هؤلاء الناس ينبغي عليهم إيقاف ذلك دون جدال. في كلمته الأخيرة في دافوس، قال نائب رئيس الوزراء الأول إيجور شوفالوف: إذا شعر الروسي بأي ضغط خارجي على الإطلاق، فإنه لن يتخلى أبدا عن زعيمه. أبدا. وسيتقبل أي حرمان قد يواجهه داخل البلد - استهلاك أقل من الطعام، وكهرباء أقل، أو شيء من هذا القبيل - أشياء كلنا معتادون عليها. إذا شعرنا بأن أحدا ما من الخارج يريد تغيير زعيمنا وهذا ليس مرادنا، وأن هنالك محاولة للتأثير في إرادتنا، سنكون ببساطة أكثر اتحادا من أي وقت مضى. هنالك عدد كاف من الناس الذين يفكرون بهذه الطريقة من أجل أن يكون الرئيس بوتين واثقا من أن الأمور ستسير على ما يرام بالنسبة إليه. وفقا لأحدث استطلاعات الرأي التي نفذت من قبل الباحثين المستقلين لدى مركز ليفادا، الذي جرى في الفترة من 23 - 26 يناير، يعتقد 55% من الروس بأن البلد يسير في الطريق الصحيح. لقد انخفضت النسبة عن المستوى الذي وصلت إليه في شهر أغسطس عندما كانت 66%، لكنها لا تزال أغلبية مريحة بشكل كاف. أما بالنسبة للدعم الشخصي لبوتين، فلقد تم تجميده عند نسبة 85% خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة. الرئيس الروسي باق على قيد الحياة رغم العقوبات ورغم سعر النفط المدمِّر، وهو على ما يرام.