لا تزال مهمة السعي لإكمال الدراسات العليا خارج المملكة مرتبطة بتخصصات محددة، فالمرحلة العاشرة - مثلاً - تقتصر في المطروح على التخصصات التالية: الطب، العلوم الطبية، العلوم الأساسية، العلوم المالية والاقتصادية، الهندسة، النقل البحري، علوم الحاسب والمعلومات، العمارة، علوم البيئة، تقنية النانو، الطاقة المتجددة، جيولوجيا التعدين، القانون، الإعلام الرقمي، الطب البيطري، السياحة والفندقة، علم النفس الإكلينيكي. وبغض النظر عن الآنسة "نانو" التي لم نر أثراً لها في المشهد الجامعي السعودي منذ أعوام، إلا أنني أؤكد أن كثيراً من هذه التخصصات على درجة لا يستهان بها من الأهمية في المشوار التنموي. لكن أعيدوا النظر فضلا، وتأملوا هذه التخصصات الواردة أعلاه جيداً، أين الآداب والفنون واللغات من كل هذا؟ البلد في طور نمو كبير، ومن الإجحاف استبعاد التخصصات الإنسانية كاللغويات والفنون من برنامج الابتعاث! ناهيك عن تعدد الجامعات السعودية الناشئة وحاجتها المتزايدة إلى أعضاء هيئة تدريس سعوديين، وما يحدث من تحديد للتخصصات بهذا الشكل، يؤكد أن هناك انفصالاً بين الوزارة والواقع. لنتساءل معاً : هل ترغب الوزارة في بقاء السنوات التحضيرية والتخصصات الإنسانية بشكل عام رهينة "مزودي خدمة" مؤقتين؟ هل سيأتي يوم يتمكن فيه أبناؤنا وبناتنا من نيل الماجستير والدكتوراة في الفنون المحررة للعقل - على سبيل المثال - من جامعة سعودية؟ من سيدير المتاحف التي يجري إنشاؤها الآن في أهم المدن السعودية؟ هل سيكون الإنسان السعودي موضوع بحث علمي في تخصص إنساني؟ من نحن.. وما علاقتنا بكل ما يحيط بنا؟ فهم وزارة التعليم العالي، بهذا الحصر في التخصصات، يتعاطى معنا كمستقبلي خدمات وليس كمصدّري معرفة في المستقبل! نحن الطرف السلبي في كل هذا، فأغلب هذه التخصصات - رغم أهميتها - هي تخصصات خدمية، ولا تتصل بتشكيل العقل وتطوير الإدراك المعرفي الشامل للإنسان السعودي. كتبت قبل ثماني سنوات عن أهمية رفع سن الابتعاث، وجاء خبر قبل شهور قليلة يؤكد موافقة المقام السامي على تمديد عمر المبتعث إلى 45 سنة، هل سنحتاج في كل مرة لتدخل القيادة لتصحيح عثراتٍ إدارية عطّلتنا طويلاً! ما ذنب من كان يحلم بالابتعاث للدكتوراه قبل سنوات.. وعمره اليوم خمسون عاماً؟ هل سننتظر طويلاً قبل أن تراجع الوزارة قراراتها وتدرج التخصصات الإنسانية والثقافية في برامجها؟ ما عيب الفلسفة والفنون البصرية مثلاً حتى تستثنى من برامج الابتعاث؟ ما مشكلة الكتابة الإبداعية والنقد الأدبي؟ أليس هؤلاء هم من يصيغون وعي المجتمعات ويصدرون إليها عقولاً إبداعية تنويريّة متجددّة؟ وزارة التعليم العالي مطالبة مجدداً بمراجعة قراراتها، ومطالبة أكثر من أي وقت مضى بتسمية منافذ أهلية معتمدة لإنهاء إجراءات القبول للطلاب السعوديين في مرحلة الدراسات العليا. هذه الحاجة لا مساومة فيها، خصوصاً وأن جامعاتنا مازالت عازفة عن استحداث برامج تناسب احتياجات وتخصصات "سعوديو اليوم". رئيس تحرير مجلة «نبض الجامعة»