هل يجري التاريخ بداخلنا أم هو شيء خارج عنا؟! إذا كان شيئا خارجا عنا فنحن أمام اختيار قبوله أو رفضه، نتأمله من الخارج، نمعن النظر فيه، قد نقبل منه شيئا ونرفض آخر، فنحن أمام كافة الخيارات، لذلك من الجيد أن نتفحصه مليّا قبل أن نقرر. نضع التاريخ كجسد على طاولة المشرحة، لا نتعاطف معه، لا نجامله، لا يهمنا إن كانت النتيجة سلبا أو إيجابا، نشرّحه بمبضع حاد لا يخشى حامله ألم المستلقي كما تشرّح الجثة، ونبقي الجزء الذي ينفعنا منه، وأما الجزء الفاسد فنلقيه بعيدا عنا. كثير من أطروحات المثقفين العرب في القرن الماضي كانت تتعامل مع التاريخ بوصفه خارجا عنا، وراج مصطلح (القطيعة المعرفية) مع التاريخ، بعضهم كان يطرح مصطلح القطيعة بمعناها الفلسفي، فهي تعني أن تتخذ موقفا من الماضي، أن تقبل بعضه وتترك بعضه الآخر، إنها ليست قطيعة بمعنى الهجر، ففي استعمال اللفظة هنا في هذا السياق تجوز لغوي كبير، وبعضهم أخذ المصطلح بمعناه الظاهري، فنادى بالقطيعة مع التاريخ بمعنى القطيعة والهجر الكامل والتام، سمعت أحد المفكرين العرب الكبار في أحد المؤتمرات يقول: «ما الذي يمنع من أن تغيّر أمةٌ مرجعيتها، من طبيعة الكائنات أن تفعل ذلك، حتى الأفاعي تبدّل جلدها، تفعل ذلك حتى تتجدد الحياة، ما الذي يمنع أمة من تبديل تراثها». وبشكل آخر مختلف طرح بعض المفكرين مثل طه حسين فكرة اختلاف مفهوم الشرق والغرب، فهذا التقسيم تم اعتماده ثقافيا وسياسيا مع أنه ليس دقيقا، فنحن لسنا الشرق المختلف عن الغرب، ولسنا (الآخر) بالنسبة له، بل نحن نقع ضمن حوض البحر الأبيض المتوسط، الذي يجمعنا بالفلسفة اليونانية، كنوع مع التصالح مع المرجعية الغربية اليونانية. لكن ماذا لو نظرنا إلى التاريخ باعتباره يجري في داخلنا، الإنساني كائن تاريخي بطبعه، وقد كتبت عن هذه الفكرة عدة مقالات في السابق، بل إنني لا أستطيع تصور الإنسان دون زمان ومكان، سيكون كائنا شفافا تصعب رؤيته، ونعجز عن تحديد ملامحه. الإنسان ابن بيئته، وهو لا يملك الخروج عن هذه الطبيعة. هذا الزمان والمكان الذي نتحدث عنه، لم يظهر ويتكوّن فجأة، بل هو امتداد لزمن طويل ضارب في القدم، التاريخ الذي تكوّنّا في بحره اليوم، يمتد محيطه في الماضي، نحن أبناء الماضي، ونحن الأجداد، ونحن التاريخ الذي ينطق. منذ أن اخترع الإنسان الكتابة، دخل في ثقافة واحدة –بالعموم-، نحن نعيش ثقافة زمن الكتابة، وكل ما كُتب يجري في داخلنا، ويتصارع، ويتحاور، وربما يتقاتل أو يتصافح. بهذا المعنى يصبح كل كتاب نقرؤه له حظ في تكويننا قبل قراءته، وتصبح كل ثقافة حاضرة امتدادا لتراثها المكتوب والمرسوم في العمران والملابس والموسيقى والفنون، وفي طبائع الناس وأخلاقهم، وفي عاداتهم وسلكوهم، وفي طريقة تفلسفهم، وفي لغتهم ألفاظا وتراكيب ونصوصا مكتوبة وشفهية. بعض التاريخ حي في واقعنا وبعضه ميت قد قضي عليه وبعضه خامل نائم، سيستيقظ إن أيقظته الأقدار. التراث الحي هو الفاعل في كل لحظاتنا، في ديننا وأخلاقنا وسلوكياتنا ورؤيتنا نحو الوجود الحاضر منه والغائب. هذه النظرة المختلفة للتاريخ تفند الرؤية التي تطالب بالقطيعة التامة -بالمعنى الظاهري- مع التراث، إنك لا تملك أن تعلن القطيعة مع ذاتك، حين يكون التراث هو أنت وتكون تاريخيا بطبعك، فأنت لا تملك الانسلاخ منك، بإمكانك الادعاء، لكن الآخرين سيرونك امتدادا لذلك التراث الذي تدعي القطيعة معه، بمعنى آخر أنت لن تكون غربيا، بل شرقي متغربن. (القطيعة المعرفية) بمعناها الفلسفي، ممكنة، وأعتقد أنها مطلوبة وظاهرة صحية، وهي نتيجة التفاعل الإيجابي مع التراث، لا بوصفه جسما خارجا عنا، بل بوصفنا امتدادا له، وبوصفه يجري في داخلنا، سنقبل ونرفض، ونعيد التفكير مليا في الثقافة السائدة التي ولدنا عليها، سنعمل على تعديل مجرى النهر، لكننا لن نجفف منابعه. بهذا تصبح الحياة كلها وليست القراءة ولا المعرفة فقط حوارا مع التاريخ، بل الحياة كلها حوارا مع الأجداد، كما يقول هايدغر: «إن كل كائن إنساني في كل لحظة هو في حوار مع أسلافه، وربما أيضا في حوار أشد خفاءً مع أخلافه الذين سيأتون من بعده».