قال لي مخاطبي: يتحدثون عن (انسانية الوطن) فهل لك ان توضح لي ماذا يقصدون؟ فأجبت: لقد حملتني - يا صاحبي - بطلبك هذا حملا تكاد تنوء بحمله جبال فتلك ثقة اتمنى من اعماق اعماقي ان اكون محلا لها مستطردا: فالحديث في موضوع كهذا لا يستطيع ايا كان ان يتصدى له، الا اذا كان يحيط بكل ابجديات المعلومة، ويملك كل اطر الخلفية المعرفية، والاهم من هذا وذاك يستطيع السيطرة على زمام المفردة لاسيما انه موضوع ولا كل المواضيع كيف لا وقد كتبت سطوره اجيال، وصنع امجاده بطولات، وصاغت مفرداته تضحيات رجال مستطردا: ولست بواحد منهم بكل تأكيد وان كنت لا اخفيك سرا ان قلت لك انني اتمنى ان اكون. لمست من صاحبي علامات من عدم اقتناع (ربما) ثقة لا استحقها، على انني استطيع على الاقل (الادلاء بدلوي) فيما طلب فأجبت انني بترددي هذا لا ارتدي ثيابا من تواضع زائف بقدر ما اقرر حقيقة قدرتي وامكانياتي التي اعيها جيدا فالحديث - يا صاحبي - عن انسانية الوطن كما افهمه يعني الحديث عن دور هذا الانسان في بناء كيان مثل ويمثل انموذجا فريدا لاول تجربة وحدوية في التاريخ العربي المعاصر يعني تناول دور هذا الانسان ماضيا وحاضرا مع محاولة استشفافية لدوره المستقبلي بإذن الله. فهو الانسان الذي يعود بأصوله وجذوره الى اولئك الغر الميامين الذين عرفهم الكون بعد ان وحدوا خالقهم وآمنوا بأفضل خلقه صلى الله عليه وسلم حاملين معه مشاعل النور والهداية التي اخرجت الكون من ظلام الجهالة الى نور الحقيقة. وهم سلالة اولئك الموحدين الابطال الذين حملوا راية الفتوحات الاسلامية ودقوا بعنف وايمان الفاتحين، وتسامح المسلمين ابواب اوروبا سلاحهم في هذا خلق رائع وتعامل مسلم، قبل ان يكون سيفا بتارا. انهم ذلك النمط الانساني الذين جرى فيهم عشق هذا الوطن مجرى الدم في العروق، لذلك فلا غرو ان صبروا في يوم من الايام صبر المؤمنين على شح موارده، ولظى صيفه، وزمهرير شتائه وافتقار الامن فيه حتى من الله عليهم من واسع رحمته وفضل احسانه وهو ارحم الراحمين. وهم رجال المؤسس الفاتح عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود رحمه الله - والذين اقتفوا سيرة اجدادهم الاوائل واعادوا الى الجزيرة العربية دورها الفاعل في صناعة الحدث الانساني من خلال ارسائهم القواعد المتينة التي انطلقت منها نهضة الانسان الحديث في المملكة. وهم انسان الوطن الذي حكم كتاب الله عز وجل وسار على نهج نبيه صلى الله عليه وسلم واقتفى سيرة الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم اجمعين لا يهمهم في هذا من خالفهم حتى بإذن الله بأمره. وهم هذا الانسان الذي يستقبل على مدار العام بكل فرح وترحاب افواج المؤمنين الذين اتوا قاصدين بيته داعين ملبين، مجندين كافة الامكانات التي تضمن لهم اداء فريضة العمر وغيرها من الفرائض بكل يسر وسهولة. وهم الرجال الذين تحدوا بجهدهم واخلاصهم (معضلة التنمية) بوجهها الذي لا ينكره سوى جاحد.. ولهذا الانجاز قصة ولا كل القصص. من اين لي يا صاحبي ان املك المعلومة التي تحيط بكم الانجازات التي صنعها رجال هذا الوطن لا لشيء سوى مرضاة خالقهم عز وجل واستشعارهم عظمة المسؤولية تجاه هذا الوطن وانسانه حتى لقد اصبحت انجازات خطط التنمية المتلاحقة انشوة (عز وفخر) يتغنى بها القاصي قبل الداني ويشيد بها العدو قبل الصديق. ان الطبيعة الصحراوية لارض هذه البلاد ناهيك عن شح الموارد المائية تجعل - يا صاحبي - ما تحقق في مجال الامن الغذائي انجازا استعير عنوان مؤلف الدكتور احمد عسة لأصفه (بمعجزة فوق الرمال) بعد ان وصلت هذه البلاد الى مرحلة ما يشبه الاكتفاء الذاتي في السلع الغذائية الاستراتيجية وغير الاستراتيجية مصدرة البعض منها الى الخارج، وهنا استمحيك عذرا يا صاحبي لانني لا املك احصائية لذلك ولكنني اعيش واياك واقعها الذي لا يمكن انكاره. لنعد - يا صاحبي - الى الوراء قليلا ولنسترجع صورة اقدام اجدادنا المتشققة التي كانت تجول اطراف رمال هذه البلاد التي تقترب مساحتها من القارة اما مشيا على الاقدام، او ركوبا على الجمال والحمير.. او امتطاء صهوات الخيول لنقارنها بانجاز الحاضر والمتمثل في شبكة من الطرق الحديثة التي بلغت اكثر من 44100 كيلو متر جاعلة من مهمة الانتقال بين بلدان وقرى هذه البلاد امرا سهلا وميسرا. وللحديث بقية بإذن الله.