دائماً ما كانت تثير مشاعري المرأة الشاعرة تلك التي تخط أبياتها بأقلام العشق النابضة صدقاً، ليس لكوني امرأة مثلها لا على الإطلاق بل لكون المرأة في كتابتها للشعر تعتمل فيها عاطفتان الأولى منهما الأمومة، التي تجبرها على أن تتدفق صدقاً، والثانية الموهبة الشعرية، فالمرأة بنظمها للقوافي تغزل من عواطفها خيوط تربط بينها وبين حلم حال الواقع دونه، وتزداد حيرتي حين أجدها تبدع في التغني بأمجاد وطنها، فتجدها اللسان الناطق، والمؤرخ الموثوق، وحامل بيارق العز، وهذه نجلا المحيا، الملقبة بالمعتزة، وهو لقب تستحقه وبجدارة، كيف لا؟ والاعتزاز يُقرأ في طيات أبياتها؟ تلمحه ظاهرا كشمس الظهيرة، فها هي تلك الأم الشاعرة تظهر لتروي لنا لحظة وداع تنهك القلوب وتعييها، فتودع الأم ابنها، وهي لا تعلم إن كان مع العائدين أم ستوافيه المنية قبل أن يوافيها، لكن المعتزة استودعتهم الله، ثم اعتزت بعبدالعزيز قائد المسيرة، ودعتهم وداع لا تطيقه النفس، فأن تودع أحدهم للمجهول، هذا هو الوداع الأقسى، فقالت: ودعتك الله يا ولدي وآل الأقدار مع الذي يتلون صقر الجزيرة وداع أقسى منه والله ما صار يم الرياض اللي تزايد سعيره صدق أربعين هم هل الحق وكثار وعبد العزيز اللي يقود المسيرة أنتم ذرانا يا طويلين الأشبار من غيركم نستفزعه ونستجيره حصنتكم باللي شرع ورد وأذكار يالله عسى كل الأماني يسيره شد الركاب وبيرق العز هدار واكتب على ريمات للعز سيرة كأن الشاعرة في نظمها للقصيدة أكدت على أن صوت المرأة في مديح الوطن والقادة هو صوت الأرض ذاتها، ففي مطلع قصيدتها تجد صدق الأمومة حاضر مستهل، فتستودع ابنها ووطنها لله وحده، ووداعها هذا لا تطيقه نفسها، نحو الرياض الذي قد عاش معارك طاحنة لكنه كالجبل لا ينحني، وكذلك هي همة أبنائه والقادة الذين لهم في العز والانتصار «مركى وشداد»، لذلك ثقتها بالقائد عبدالعزيز غلب خوفها، فهو ذراهم ما إن هبت الرياح من كل جانب، تعود الشاعرة لتستخدم أسلوب بلاغي يزيد للقصيدة رونق، فها هي تطرح سؤال تعرف يقيناً إجابته، فهي بهذا لا تطلب إجابة بل تقر وتؤكد على أن لا ملجأ يضاهي هذا الوطن وقادته. تعود الشاعرة أما في بيتها قبل الأخير، فتطوع الشعر لهذه الفطرة فتحصن ابنها، ووطنها، ومن تحب، وتدعو بقلب صادق، أن كل ما تتمناه يتيسر، وما لمعتزة مثلها أن تتمنى؟ ستتمنى أن يبقى هذا الوطن شامخاً كما عهدته، وأن الرفعة تبقى لقادة هذا الوطن، وأن يعود مضنون عينها سالم معافى، وها هي تختم قصيدتها ببيت يفيض عزة وشموخا فتطلب شد الركاب والخوض في حرب نهايتها نصر وإلا فلا. الملفت حقاً أن الشاعرة لم تعش هذه القصة كلها، لكنها دخلت في حالة شعورية جعلتها تودع ابنها، فنجلا ابنة اليوم عاشت دور أم أخرى قبل سنين خلت، لكن ما تقرأه من قطعة أدبية، يجعلك لا تصدق أن هذه الشاعرة لم تودع ابنها ليحرر الرياض، ولم تستنهض همة الجيش، ولم تكن تستودع القائد ومن معه، وهنا صدق عاطفتها يتجلى ويظهر فشاعرة الوطن تغنت بأمجاد وطنها وكانت أشد عمقاً، واقتنصت من الأفكار أشدها عذوبها، لتجبر السامع على الإنصات من مطلع القصيدة حتى ختامها. وكما استودعت المعتزة أحلامها، وصادق عهودها، لا نجد أسمى من الالتجاء إلى الخالق، فاللهم إنا نستودعك السعودية؛ مليكاً وشعباً وكياناً، لتبقى دوماً منارةً للفخر للعرب أجمع، وكما خطّت في قصيدتها تماماً: 'حصنتكم باللي شرع ورد وأذكار'.