في حياتنا اليومية لا تتبدّل الأحداث بقدر ما تتبدّل قراءتنا لها. اليوم ذاته قد يكون عاديًا في تفاصيله، لكننا نخرج منه بشعورين مختلفين تمامًا، مرة مثقلين ومرة مطمئنين. الفرق لا يكمن دائمًا في الوقائع، بل في موضع انتباهنا. ما نضعه في دائرة الضوء يتقدّم إلى الواجهة، وما نتركه في الظل يتراجع، حتى لو كان حاضرًا بالقوة نفسها. نحن نميل بطبيعتنا إلى ملاحظة ما يزعجنا أكثر مما يرضينا. كلمة عابرة قد تعلق في أذهاننا ساعات، بينما تمرّ كلمات التقدير بصمت. خطأ صغير قد يطغى على سلسلة من النجاحات، وكأن العقل قرر أن يختزل المشهد كله في نقطة واحدة داكنة. ومع التكرار، لا يبقى الأمر مجرد فكرة، بل يتحول إلى مزاج عام، ثم إلى طريقة تفسير ثابتة. وهنا تبدأ المشكلة: لسنا فقط نتذكر ما حدث، بل نعيد إنتاجه في داخلنا مرارًا. عندما نمنح السلبية انتباهًا مستمرًا، فإننا نغذيها دون أن نشعر. نراجعها، نحللها، نضيف إليها احتمالات، نحمّلها أكثر مما تحتمل. كل مرة نفكر فيها في الموقف ذاته، يزداد حضوره في وعينا، ويصغر ما عداه. بمرور الوقت، يصبح من السهل أن نقول: "كل شيء يسير بشكل سيئ"، رغم أن الحقيقة قد تكون أن هناك شيئًا واحدًا فقط لم يسر كما نريد. في المقابل، لا يتطلب التحول النفسي ثورة كبرى أو إنكارًا للواقع. لا أحد يطالبك بأن تتجاهل الألم أو تتظاهر بأن الأمور مثالية. المطلوب ببساطة أن تمنع السلبية من احتكار المشهد. أن تقول لنفسك: نعم، هناك ما يزعجني، لكن هناك أيضًا ما يستحق أن أراه. هذه النقلة الصغيرة في الانتباه قادرة على تعديل الإحساس العام، لأنها تعيد التوازن للصورة. قد يبدو التركيز على شيء إيجابي واحد أمرًا بسيطًا إلى حد السذاجة، لكنه في الحقيقة فعل واعٍ له أثر عميق. حين تختار أن تلتفت إلى إنجاز صغير أنهيته، أو إلى لحظة هدوء شعرت بها، أو إلى علاقة لا تزال صادقة في حياتك، فإنك تذكّر نفسك بأن الصورة ليست سوداء بالكامل. هذا التذكير لا يمحو المشكلات، لكنه يمنعها من أن تتحول إلى تعريف شامل لحياتك. ومع تكرار هذا الاختيار، يتشكل نمط داخلي جديد. تبدأ في ملاحظة التفاصيل المضيئة بسرعة أكبر، لا لأن الواقع تغير فجأة، بل لأنك درّبت نفسك على رؤيته من زاوية أوسع. يصبح المزاج أكثر استقرارًا، وردود الفعل أقل حدة، والقدرة على التعامل مع التحديات أقوى. فالشعور المتوازن لا يعني غياب المشكلات، بل يعني أنك لا تسمح لها بأن تسحبك بالكامل إلى داخلها. الانتباه طاقة محدودة. كل دقيقة تقضيها غارقًا في فكرة سلبية هي دقيقة لا تُستثمر في ما يمكن أن يبنيك أو يهدئك. وعندما تدرك أن لك حرية جزئية في توجيه هذه الطاقة، تبدأ باستعادتها تدريجيًا. قد لا تستطيع تغيير كل الظروف، لكنك تستطيع أن تختار أين تقف ذهنيًا أمامها. الحياة ليست دائمًا سهلة، لكنها أيضًا ليست مظلمة كما توحي به أفكارنا أحيانًا. وما بين الحدث ورد فعلك مساحة صغيرة من الاختيار. في هذه المساحة يتقرر الكثير. إذا ملأتها بالتركيز على ما يهدمك، ستتآكل نفسيًا. وإذا ملأتها بالالتفات إلى ما يدعمك، ولو كان بسيطًا، ستشعر بفرق حقيقي مع الوقت. ليس المطلوب أن تصبح متفائلًا بإفراط، ولا أن تنكر ما يؤلمك، بل أن تتعامل بعدل مع يومك. أن تعطي الضوء حقه كما تعطي الظل حقه، دون أن تسمح لأحدهما أن يبتلع الآخر. وأحيانًا، يكفي أن تبدأ بسؤال بسيط في نهاية يومك: ما الشيء الجيد الذي حدث اليوم؟ قد يكون صغيرًا جدًا، لكن مجرد البحث عنه يغيّر زاوية النظر. غيّر انتباهك، لا لأن الحياة ستتبدل فورًا، بل لأنك حين تغيّر موضع تركيزك يتغير إحساسك، وحين يتغير إحساسك تتغير طريقتك في العيش. ومن هذا التغيير الهادئ، المتراكم، تبدأ حياة مختلفة في التشكل، خطوة صغيرة بعد خطوة، ووعيًا بعد وعي.