كل من يعرف المغرب جيدا يدرك موقعه الجغرافي، فهو ينتمي إلى قارة إفريقيا، وبالضبط إلى الجزء الشمالي الغربي منها. يحده البحر الأبيض المتوسط شمالا، والمحيط الأطلسي غربا، والجزائر شرقا، وموريتانيا جنوبا. وهذه المحددات الجغرافية تجعله جزءا من المجال القاري الإفريقي والمتوسطي. غير أنه عقب نهائيات كأس إفريقيا 2025، ظهر في وسائل التواصل الاجتماعي توصيف جديد لموقع المغرب، حيث ذهب بعض المتفاعلين إلى اعتباره «جزيرة». فهل المغرب جزيرة فعلا؟ في سنة 2005، خرج المفكر والمؤرخ المغربي عبدالله العروي، في برنامج حواري على قناة مغربية، ليناقش قضايا سياسية وفكرية راهنة آنذاك. وبما أن العروي مؤرخ ذو تكوين سياسي وفلسفي وتاريخي، فقد عالج، بخلفية تاريخية أكاديمية، نقطة حساسة تتعلق بعلاقة المغرب بدول الجوار. حيث قال في هذا السياق: «إن المغرب جزيرة، وعلينا أن نتصرف كسكان جزيرة... جزيرة مطوَّقة». فماذا كان يقصد صاحب «مفهوم السياسة» بهذا الكلام؟ في البداية، يجب أن نفصل بين سياقين زمنيين مختلفين، أو بالأحرى بين حالتين سياسيتين في علاقة المغرب بدول الجوار. الحالة الأولى تمتد من بداية تسعينيات القرن الماضي إلى حدود مطلع الألفية الثالثة، أي بداية القرن الحادي والعشرين. والحالة الثانية من العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين إلى المرحلة الراهنة. إذا رجعنا إلى التاريخ، نجد أن الحالة الأولى تميزت بمجموعة من الأحداث التي أثّرت لاحقا في البنية السياسية والاجتماعية والاقتصادية للمغرب. فداخليا عرف البلد توترات سياسية خلال مرحلة الانتقال التي سبقت التناوب التوافقي أواخر التسعينيات. أما خارجيا، وفي علاقاته الإفريقية بالخصوص، فكان المغرب يعيش آثار انسحابه سنة 1984 من منظمة الوحدة الإفريقية بسبب قضية الصحراء المغربية، إضافة إلى توتر العلاقات مع ليبيا والجزائر وإغلاق الحدود سنة 1994. أما الحالة الثانية، فهي مختلفة من حيث الشروط والسياقات. فعلى الصعيد الداخلي عرف المغرب بعد احتجاجات حركة 20 فبراير انفتاحا سياسيا تدريجيا، وإصلاحات مؤسساتية، وتحولات اقتصادية مهمة. وعلى المستوى الإفريقي، توسع الحضور المغربي من خلال الاستثمارات والتعاون جنوب-جنوب، وتوّج ذلك بالعودة إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017، بما أعاد صياغة موقعه داخل القارة. العروي المفكر: بالعودة إلى صاحب الأيديولوجية العربية المعاصرة، يتبيّن أن فكره يتأسس على تصور تاريخي يرى أن الظواهر الإنسانية لا تفهم في ذاتها ولا بمعزل عن شروط تشكّلها، بل ضمن سيرورة تاريخية محددة تنتج الوعي والممارسة معًا، وهو ما يضفي على تحليله طابعًا نقديًا صارمًا يربط الفكر بأفقه التاريخي. استعارة «الجزيرة» عنده ليست توصيفا جغرافيا ولا حكما هوياتيا، بل أداة تحليل تشير إلى وضع جيوسياسي كانت فيه علاقات المغرب الإقليمية تعيش توترا، ما يجعله في وضع شبيه ب«جزيرة سياسية مطوّقة»، أي دولة محدودة العمق الإقليمي المباشر، مطالبة ببناء إستراتيجيتها اعتمادا على مواردها الذاتية وحسن تدبير موقعها. كما أن المشروع الفكري للعروي، القائم على نقد الذهنيات التقليدية والدعوة إلى عقلنة الفعل السياسي، يتعارض جوهريا مع كل توظيف عنصري أو إقصائي لكلامه. فقد كرّس صاحب «الأيديولوجية العربية المعاصرة» مساره الفكري لتحليل مفاهيم الدولة والتحديث والتاريخي، لا لإنتاج خطاب هوياتي منغلق. وعليه، فالمغرب ليس جزيرة، و«جزيرة العروي» ليست حقيقة طبيعية أو سياسية، بل صورة تحليلية ظرفية ارتبطت بمرحلة تاريخية محددة، ولا يجوز تحويلها الآن إلى شعار أيديولوجي أو ذريعة لخطابات القطيعة أو الكراهية. الخلاصة: وفي الأخير، نؤكد أن كلام العروي لم يقل في سياق رياضي أو انفعالي، بل في سياق تحليل سياسي وتاريخي كانت فيه وضعية المغرب الإقليمية تتسم بتوترات وعزلة نسبية. أما اليوم، ومع تغير الشروط الجيوسياسية وتوسع الحضور المغربي في إفريقيا، فإن إسقاط نفس الاستعارة بشكل حرفي يفقدها دقتها التحليلية.