يُعَدّ جيرارد الكريموني المتوفى عام 1187 للميلاد أحد أبرز الشخصيات العلمية في تاريخ أوروبا في العصور الوسطى، وأحد أهم الجسور المعرفية التي أسهمت في نقل العلوم العربية والإسلامية إلى العالم اللاتيني، والتي أصبحت رافعة علمية لأوروبا ومراجع لها في شتى أنواع العلوم. فقد جاء ظهور جيرارد في مرحلة تاريخية كانت فيها أوروبا تعاني من محدودية شديدة في الوصول إلى المؤلفات العلمية والفلسفية الكبرى، في حين كانت هذه المعارف مزدهرة ومطورة في العالم الإسلامي باللغة العربية. ومن هذا السياق برز الدور المهم لجيرارد الكريموني، ولا سيما من خلال ارتباطه الوثيق بما عُرف بمدرسة طليطلة للترجمة، التي شكّلت محطة مفصلية في تاريخ انتقال المعرفة بين الحضارات. وُلِد جيرارد الكريموني في مدينة كريمونا شمالي إيطاليا عام 1114م تقريبًا وهذا سبب تلقيبه بالكريموني، غير أن طموحه العلمي سرعان ما دفعه إلى تجاوز حدود ما هو متاح في موطنه. فقد أبدى اهتمامًا خاصًا بعلم الفلك، وكان دافعه الرئيس للرحيل هو رغبته في الاطلاع على كتاب «المجسطي» لبطليموس، الذي لم يكن متوفرًا آنذاك باللغة اللاتينية، بينما كان معروفًا ومشروحًا على نطاق واسع في نسخته العربية. ولهذا الغرض شدّ الرحال إلى مدينة طليطلة في الأندلس، التي كانت قد دخلت تحت الحكم النصراني عام 1085م، لكنها ظلت محتفظة بطابعها العلمي والثقافي المتعدد اللغات. ولم تكن مدرسة طليطلة للترجمة مؤسسة تعليمية رسمية بالمعنى الحديث، بل كانت حركة علمية نشطة ضمّت عددًا من العلماء والمترجمين الذين عملوا تحت رعاية الكنيسة والسلطات المحلية. يُنسب إلى جيرارد الكريموني ترجمة ما يزيد على سبعين عملًا علميًا وفلسفيًا من العربية إلى اللاتينية، شملت مجالات متعددة، مثل الفلك، والطب، والفلسفة، والرياضيات، والفيزياء، والكيمياء. ومن أبرز ما ترجمه كتاب «المجسطي» لبطليموس اعتمادًا على نسخته العربية، وهو العمل الذي ظل المرجع الرئيس لعلم الفلك في أوروبا لعدة قرون. كما ترجم كتاب القانون في الطب لابن سينا، الذي أصبح العمدة في التعليم الطبي بالجامعات الأوروبية حتى القرن السابع عشر، إلى جانب مؤلفات الرازي الطبية، وكتاب التصريف لمن عجز عن التأليف للزهراوي، الذي أسهم في إحداث نقلة نوعية في الجراحة الأوروبية من خلال ما تضمنه من أدوات وأساليب علاجية متقدمة. ولم تقتصر ترجمات جيرارد على العلوم الطبية والطبيعية، بل شملت أيضًا عددًا من مؤلفات أرسطو في الفلسفة الطبيعية، كما نقل أعمالًا لعلماء مسلمين بارزين مثل الفارابي، ولا سيما في مجالات المنطق والبصريات والعلوم الطبيعية. ومن خلال هذه الترجمات، لم يتعرف الأوروبيون على التراث اليوناني فحسب، بل اطّلعوا كذلك على الإسهامات العلمية الأصيلة التي قدمها العلماء العرب والمسلمون، والتي كانت في كثير من جوانبها أكثر تقدمًا مما عُرف في أوروبا آنذاك. كان لأعمال جيرارد الكريموني أثر بالغ في تطور الفكر الأوروبي؛ إذ أصبحت ترجماته مراجع أساسية في الجامعات الناشئة مثل بولونيا وباريس وأكسفورد. وأسهمت هذه الترجمات في إرساء الأسس العلمية للتعليم الجامعي الأوروبي، ولا سيما في مجالي الطب والفلك، كما ساعدت في تغيير النظرة الأوروبية إلى المعرفة بوصفها إرثًا إنسانيًا مشتركًا لا يقتصر على حضارة أو دين بعينه. وتوفي جيرارد الكريموني في مدينة طليطلة عام 1187م بعد أن أمضى معظم حياته في خدمة العلم والمعرفة.