إنه الشعر الشعبي يبقى حاضراً في وجدان الناس، يغوص في تفاصيل حياتهم، يشاركهم، أفراحهم، أتراحهم، يبوح بتجارب إنسانية عن الزمان والمكان فيوقظ حنينهم بجمال لهجتهم المحلية الدارجة، التي لها أصل في اللغة الفصيحة. في الماضي كان الشعراء يلقون قصائدهم في المناسبات، الاجتماعية المتعددة، وهي زاخرة بالحكمة، الفلسفة، الفخر، الشيم، الغزل، الوصف، ومعالجة بعض الظواهر بالرمز غير المباشر، لتتناقلها الأجيال مشافهة، وتصبح فيما بعد مائدة رئيسة في مجالس السمر وقوافل السفر. وقد بُذلت جهود مشكورة لتدوين هذا الموروث من الرواة وبعض المخطوطات، وكنت اسأل لماذا لم يفكر أصحاب التسجيلات الصوتية التي انتشرت قبل نصف قرن في اغتنام الفرصة وتسجيل قصائد لشعراء شعبيين معروفين كانوا بيننا رحمهم الله، ويحفظون قصائد شعراء سبقوهم؟ ربما لم تطرأ عليهم مثل هذه الفكرة لأن تلك المحلات كانت مهمتها بيع وتوزيع شرائط «الكاسيت» لأغاني مئات المطربين والمطربات. ويُحسب لمدير فرع جمعية الثقافة والفنون بأبها في عهدها الذهبي بقيادة مديرها الأسبق الصديق الشاعر الأديب أحمد عسيري إشرافه على طباعة وإصدار الديوان الأول والثاني للشاعر المعروف ابن عشقة -يرحمه الله- وكذلك ديوان الشاعر محمد بن ناصر -يرحمه الله- إلى جانب مجموعة شعرية لشعراء طور عسير، كما أصدرت الجمعية كتاب «الشعر الشعبي نبض حياة» للشاعر الأديب إبراهيم طالع الألمعي، وصدر له أيضاً قبل أكثر من عقدين كتاب «من قيم الشعر الشعبي في عسير» عبدالله بِر عامر -إبر بَدّه- أنموذجاً. وترتدي القصائد الشعبية جمالاً وتأثيراً ووهجاً حين يستمع الإنسان إلى شاعرها أو من لديه موهبة الإلقاء، مثلما نشاهد اليوم على وسائل التواصل الاجتماعي التي احتضنت الشعر الشعبي من عمق مكانه وأصالة بيئته بألوانه المختلفة على امتداد مساحة الوطن. يقول أستاذ النقد والبلاغة في جامعة عين شمس الدكتور محمد عبدالمطلب في كتاب أجمل رباعيات العاب: إن مساحة استقبال الشعر الشعبي أكثر اتساعاً لأن هذا الشعر يؤدي وظيفة مزدوجة الوظيفة الجمالية، والوظيفة الاجتماعية، وعلى الرغم من أن الوظيفتين لهما حضور في الشعر الفصيح لكن الوظيفة الاجتماعية في العامية تسبق الوظيفة الجمالية. وأكد أن هذا اللون التراثي حقق انتشاره، لأنه يحمل ذخيرة الأبنية التعبيرية التي ترددها الألسن، عفو الخاطر حيناً وبالقصد أحياناً أخرى.