لم يكن الليل ساكنًا.كان يتظاهر بذلك فقط. صوت الرصاص استمر، متقطعًا، بعيدًا أحيانًا، قريبًا أحيانًا أخرى، مثل شخصٍ يتسلّى بتذكيرك أنه موجود. في البداية، كانت كل طلقة تجعل جسدها ينتفض. بعد ساعات، لم يعد الجسد ينتفض صار ينتظر. الانتظار أخطر من الفزع. الفزع لحظة، أما الانتظار فهو إقامة دائمة. لم يمنعها صوتُ الرصاص من النوم. الأصوات تُحتمل. الذي منعها من النوم كان ذلك الهدوء بين صوتٍ وصوت، تلك المساحة التي يمكن أن يحدث فيها أي شيء. لم تكن تخاف السرقة. كانت الفكرة ساخرة بمرارة. سرقة ماذا؟كوخٌ لو طلبت منه أن يقف لاعتذر. فراشٌ يعرف عدد عظامها أكثر مما تعرفه هي. أوانٍ معدنية لها ذاكرة أطول من أعمار أصحابها. لكنها تعرف - الآن - أن البشر حين يفعلون ما يفعلون، لا يكون الدافع دائمًا شيئًا يُؤخذ... أحيانًا يكون شيئًا يُمحى. كانت تعرف ما حدث في القرى المجاورة. وتعرف التفاصيل الصغيرة، وهذا هو الأسوأ دائمًا. تعرف كيف بدأ كل شيء عاديًا، وكيف انتهى بلا أسماء. انكمشت داخل الفراش. ضمّت جسدها كما لو كانت تحاول تثبيته في هذا العالم. الخوف يجعل الإنسان يشكّ في وزنه، في وجوده، في حقّه في شغل مساحة. طفلتها نائمة. نوم عميق، كأن العالم لم يخذلها بعد. راقبت صدرها يرتفع وينخفض. عدّت الأنفاس. ثم توقّفت عن العد، لأن العد يجعل التوقّف احتمالًا. نظرت إلى السقف. الشقوق بدت أوسع من ذي قبل. الظلال أطول. الخوف لا يخلق أشياء جديدة، فقط يقدّم الأشياء القديمة في إضاءةٍ أسوأ. ثم تغيّر الصمت. ليس صوتًا بالمعنى المعروف، هو إحساسٌ داخلي، كأن جسدها التقط إشارة ما. شيء ما لم يعد كما كان. توقّف الرصاص فجأة. وهذا كان أسوأ. الصمت المفاجئ لا يعني الأمان، يعني أن هناك من قرر أن يسمع. مرّت ثوانٍ طويلة. طويلة إلى درجة أنها شعرت بأن قلبها قد يتوقف قبل أن يحدث أي شيء. ثم... خطوة قريبة. لم تكن متأكدة إن كانت سمعتها فعلًا، أم أن الخوف صار له صوت. لكن الخطوة صارت ثانية. ثم ثالثة. تدور حول الكوخ. خطوات من يعرف المكان، أو من لا يهمّه أن يعرفه. وضعت يدها على فمها. لم يكن هذا قرارًا. الجسد يتصرّف وحده عندما يدرك أن الخطأ الصغير قد يكون قاتلًا. نظرت إلى الطفلة. فكّرت في إيقاظها، ثم فكّرت أن الاستيقاظ قد يكون آخر ما تحتاجه الآن. اقتربت الخطوات من الجدار. ثم توقفت. لم يحدث شيء. لا طرق. لا كلام. فقط حضور ثقيل... كأن أحدهم يقف هناك ويتنفس. بدأ الألم في صدرها. ألم بطيء، ضاغط، كأن القلب يحاول أن يتذكّر كيف كان ينبض قبل كل هذا. ثم... صوت آخر. فرقعة خشب أنين خفيف، صوت بابٍ يتذكّر فجأة أنه قديم. اقترب الصوت. لم يعد حول الكوخ. صار عنده. لم تفكّر في الصراخ. لم تفكّر في الهرب. كل تلك الأفكار تنتمي لعالمٍ ما زال يؤمن بالخيارات. كانت تفكّر فقط: هل ستستيقظ الطفلة؟ وهل سيكون ذلك قبل أم بعد؟ تحرّكت الطفلة قليلًا. تقلّبت. تنفّست بعمق. والباب... أصدر صوتًا آخر. أوضح. أقرب. لم يفتح بعد. لكنه لم يعد مغلقًا تمامًا. وفي تلك اللحظة، فهمت شيئًا لم تكن تريد فهمه: أن الخوف الحقيقي ليس ما يحدث عندما يُفتح الباب... بل تلك الثواني القليلة التي تعرف فيها أن الباب يمكن أن يُفتح الآن. ثم ... ولا أحد يعرف هل كان الصوت التالي خطوة إلى الداخل... أم مجرد استمرار للانتظار.