تحول التعدين في المملكة من قطاع ثانوي الأهمية إلى ركيزة أساسية ضمن معادلة التنويع الاقتصادي السعودية، ليس لأن الثروة تحت الأرض اكتُشفت فجأة، بل لأن إطار الحوكمة والتنظيم والاستثمار المعدني أعاد تسعير هذه الثروة داخل الحسابات الاقتصادية. تشير التقديرات إلى أن الثروة المعدنية بالمملكة توازي نحو 9.4 تريليون ريال وهذا يمثل نقطة انعطاف؛ فهو يرفع القيمة الدفترية المتصورة للأصول الوطنية، ويزيد قابلية القطاع للتمويل طويل الأجل، ويعطي مبررًا اقتصاديًا لتسريع الاستكشاف، وبناء سلاسل قيمة صناعية مرتبطة بالمعادن بدل الاكتفاء بتصدير المواد الخام. في اقتصادات الموارد، غالبًا ما يتعثر التعدين بسبب ثلاث فجوات: فجوة المعلومات الجيولوجية، وفجوة المخاطر الاستثمارية، وفجوة التحويل الصناعي، المملكة عالجت الفجوتين الأولى والثانية عبر توسيع نطاق الرخص والطرح التنافسي للأحزمة التعدينية، بما في ذلك جولات شملت مساحات تقارب 13000كم2، وهو مؤشر على توسيع سوق الفرص، وتسريع انتقال المشروعات من المسح إلى الحفر ثم تقدير الاحتياطي. وتظهر لمحات المؤشرات الرسمية بلوغ الرخص السارية 2580 (في أكتوبر 2025)، وهو ما يعني أن خط الأنابيب الاستثماري أصبح واسعًا، وأن القطاع دخل مرحلة التراكم الاستثماري وليس المبادرات المنفردة. أما فجوة المخاطر الاستثمارية، فتنعكس مباشرة في مؤشرات الجاذبية العالمية: صعود المملكة إلى المرتبة 23 في مؤشر معهد فريزر لعام 2024 بعد أن كانت 104 في 2013 يوحي بتغير ملموس في كفاءة البيئة التنظيمية وإدارة المخاطر، وهو ما يضغط على علاوة المخاطر، ويخفض تكلفة رأس المال، ويرفع احتمالية تحوّل الاستكشاف إلى إنتاج، لكن نقطة الحسم ليست ترتيبًا دوليًا بقدر ما هي القدرة على تثبيت القيمة المضافة محليًا، فالتعدين قطاع دوري يتأثر بأسعار السلع العالمية، ويظل أثره محدودًا إن لم يُقفل على سلاسل تحويل داخلية وعقود شراء طويلة الأجل وإستراتيجية محتوى محلي.. لذلك تتقدم أهمية المعادن التي تسمح ببناء سلاسل تحويل واضحة «مثل الفوسفات والمعادن الأساسية»، ومعها تتزايد أهمية المعادن الحرجة والنادرة المرتبطة بالتحول بالطاقة، بما في ذلك تقديرات لعناصر أرضية نادرة ضمن الثروة المعدنية المحلية «قُدرت قيمتها بنحو 375 مليار ريال»، وهي إشارة إلى اتجاه المملكة نحو معادن أعلى قيمة وأكثر ارتباطًا بالصناعات التقنية المتقدمة. ولأن السياسة الاقتصادية الحديثة لا تكتفي بتغيير الأنظمة، بل تحتاج منصات لتعزيز الشراكات، يأتي مؤتمر التعدين الدولي كأداة تنسيقية للاستثمار والتقنية والتمويل. انعقاد النسخة الخامسة في الرياض 13–15 يناير 2026 تحت شعار فجرُ قضيةٍ عالمية (Dawn of a Global Cause)، يكتسب أهميته من كونه يأتي بعد تحديث تقديرات الثروة، واتساع جولات الرخص، وتحسن مؤشرات الجاذبية؛ أي بعد اكتمال عناصر التفاوض الاستثماري. ومن المتوقع أن النسخة الخامسة من المنتدى بعام 2026 تستهدف مشاركة تتجاوز 20 ألف مشارك، ما يعزز دورها كمنصة لتسريع الإغلاق المالي لمشروعات الاستكشاف والمعالجة، وليس مجرد حدث بروتوكولي. الخلاصة الاقتصادية هي أن التعدين السعودي يتحرك من اقتصاد مورد إلى اقتصاد سلسلة قيمة: أدى لرفع تقدير الأصول، وتحسين الحوكمة وتقليل المخاطر، ثم توسيع قاعدة الاستكشاف، وصولاً إلى تعميق التصنيع المرتبط بالمعادن، معيار النجاح في السنوات المقبلة لن يكون عدد الرخص أو حجم الثروة المعلنة، بل نسبة التحول من خام إلى منتج ذي قيمة اقتصادية، ومعدل توطين الإنفاق الرأسمالي والخدمات الهندسية، واستقرار الصادرات المعدنية ضمن سلة غير نفطية أقل حساسية لدورات الأسعار العالمية.