رغم التقدم الهائل في الطب ورسالته النبيلة في حفظ الحياة وتخفيف المعاناة، تبقى الممارسة الطبية عرضة للخطأ، ولا يُستثنى العاملون في الرعاية الصحية من الوقوع فيه رغم حسن النية وبذل أقصى الجهود. والخطأ البشري وارد جدًا، لا سيما في بيئات الرعاية الصحية الصعبة التي تتسم بقلة النوم، وكثافة أعداد المرضى، وكثرة العمل، اجتماع هذه العوامل يجعل وقوع الأخطاء أمرًا شبه حتمي، ولذلك من الضرورة تطبيق إستراتيجيات وقائية شاملة تهدف إلى تقليل تكرار الأخطاء وحدّتها وتأثيرها على النظام الصحي، المرضى، مقدمي الرعاية، والمنشآت الصحية. يُعرَّف الخطأ الطبي بأنه «أي فعل يصدر عن أحد مقدمي الرعاية الصحية أثناء رعاية المريض، ويؤدي إلى إلحاق الضرر به، ويختلف عن المضاعفات الناتجة عن المرض نفسه». ويمكن أن تقع هذه الأخطاء في أي مرحلة من مراحل الرعاية الصحية، بدءًا من معاينة المريض والتشخيص، مرورًا بالعلاج، وانتهاءً بالمتابعة. وتُظهر الدراسات الحديثة حجم هذه المشكلة، إذ لا تزال الأخطاء الطبية من الأسباب الرئيسية للوفاة، والإعاقة، والمرض على مستوى العالم. وتشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن ملايين المرضى يتعرضون سنويًا لآثار أخطاء طبية يمكن الوقاية منها، مما يؤدي إلى تكاليف اقتصادية جسيمة على الأنظمة الصحية، وأعباء كبيرة على المرضى وأسرهم. والأخطاء الطبية أنواع منها: 1. التشخيصية: وتشمل التشخيص الخاطئ، أو المتأخر، وكذلك فرط التشخيص، والذي قد يؤدي إلى علاجات غير ضرورية وربما ضارة. 2. العلاجية: وتكون أخطاء في وصف الأدوية، إعطاؤها أو مراقبتها، الأخطاء الجراحية، وغيرها من التدخلات العلاجية. 3. الوقائية: وغالبًا تكون فشلًا في تطبيق التدابير الوقائية المناسبة، كمنع العدوى، برامج التطعيم أو الفحص المبكر، مما يزيد خطر المضاعفات والأمراض القابلة للوقاية. 4. أخطاء في التواصل: وتشمل قصور التواصل بين مقدمي الرعاية الصحية والمرضى، أو بين أعضاء الفريق الصحي، مما يؤدي إلى سوء الفهم واتخاذ قرارات سريرية خاطئة. رغم وجود الأخطاء الطبية منذ بدايات ممارسة الطب، فإن التعامل معها كمشكلة قابلة للمنع والتقليل من حدوثها لم يبدأ فعليًا إلا في القرن العشرين. وكانت نقطة التحول عام 1999 مع صدور تقرير تاريخي من معهد الطب الأمريكي بعنوان «الخطأ وارد: بناء نظام صحي أكثر أمانًا» والذي كشف عن ارتفاع معدلات الأخطاء الطبية، وكيفية تحويل النظام الصحي من عقلية «الخطأ حتمي» إلى نظام يركز على منع الأخطاء والتعلم منها، وذلك بتعزيز ثقافة السلامة، وتحسين الإجراءات، وتغيير الأنظمة لتقليل الضرر على المرضى، وتطبيق مبادرات متعددة للحد من الأخطاء، شملت أنظمة الإبلاغ، وبرامج التعليم المستمر، واستخدام التقنيات الداعمة للسلامة. ومع ذلك، لا تزال الأخطاء قائمة. هناك عوامل عديدة لحدوث الأخطاء الطبية؛ منها العنصر البشري كالممارس الصحي وساعات العمل الطويلة والإجهاد أو المريض نفسه الذي لم يعط تاريخه المرضي للطبيب، أو بسبب تقني كنقص في الأجهزة، ضعف التنظيم، وغياب البروتوكولات. الأخطاء الطبية تؤثر بعمق في صحة المرضى وجودة حياتهم، ولها تبعات اقتصادية وقانونية جسيمة، والوقاية تتطلب وضع بروتوكولات وآلية للعمل ومراقبة تطبيقها، وتواصلًا شفافًا، وإشراك المرضى، ودعم الأنظمة الصحية، ليس كل خطأ تشخيصي يترتب عليه مسؤولية قانونية؛ إذ يجب إثبات الإهمال أو التهور والعلاقة السببية والضرر. ومن المهم التأكيد على أن الأخطاء الطبية لا تنجم دائمًا عن إهمال أو نقص كفاءة، بل غالبًا ما تكون نتيجة تفاعل معقد بين عوامل متعددة، مثل محدودية الأنظمة الصحية، ونقص الموارد، وإرهاق.