دعني أبدأ باعتذار صريح، ليس مجازيا، ولا بلاغيا.. أعتذر لأن بعض الأفكار -ومنها هذه- لا تأتي خفيفة كما ينبغي. تأتي محمّلة أكثر من اللازم، وتنسى أحيانًا أن القارئ ليس مطالبًا بأن يكون في كامل صفائه، ولا في مزاج فلسفي ممتاز. أنت تقرأ غالبًا بعد يوم طويل، بعد عمل، وضجيج، وأخبار لا تنتهي.. تفتح المقال وأنت تريد شيئًا مفهومًا، شيئًا يقول لك: تعال، سأشرح لك بهدوء. ثم تفاجأ بفكرة لا تفعل ذلك، وهنا تبدأ المسافة.. ليست المشكلة في أنك لا تحب التفكير، أو أنك تكره العمق، المشكلة أن العمق نفسه لا يحسن تقديم نفسه أحيانًا. بعض الكتابات -خاصة تلك التي تدور حول المعنى، وطريقة الفهم، وحدود اليقين- لا تهتم كثيرًا بأن تكون سهلة، ليس لأنها متعالية، بل لأنها كُتبت من مكان آخر، مكان بعيد قليلًا عن القراءة اليومية السريعة. حين يكتب مفكر مثل عبد الله الغذامي، فهو لا يخاطبك بوصفك شخصًا يريد إجابة، هو يخاطبك بوصفك شخصًا يمكن أن يتحمّل سؤالًا. وهذا فرق كبير. أنت تقول: ماذا تقصد؟ وهو يسأل: كيف تفهم أصلًا؟ أنت تريد المعنى، وهو يريد أن يتأمل الطريق المؤدي إليه.. وهنا، طبيعي جدًا أن تشعر بالتعب، وطبيعي أن تغلق الصفحة.. وطبيعي أن تقول: هذا ليس لي.. والحق معك.. ليست كل فكرة مكتوبة للجميع، ولا في كل وقت، وليست كل قراءة ملزمة بأن تكتمل، لكن دعني أبرّر قليلًا، توضيحًا وليس دفاعًا، هذا النوع من الكتابة لا يثق باليقين السريع.. يشكّ في الجملة الواضحة أكثر مما ينبغي، يخاف من الخلاصة لأنها -في نظره- قد تكون اختصارًا مخلًا. هو لا يقول إنك مخطئ، ولا يقول إنه على حق، هو يقول: دعنا نتوقف قليلًا قبل أن نثق، وهذا الطلب -في حد ذاته- ثقيل، في زمن يريد منك أن تفهم كل شيء الآن، وأن تتخذ موقفًا الآن، وأن تكتب تعليقًا الآن، يأتيك نص يطلب منك التريّث، أن تؤجل الحكم.. أن تقبل بعدم الفهم المؤقت.. وأعترف: ليس كل القراء مستعدون لهذا. ولا يجب أن يكونوا. أحيانًا يخطئ الكاتب حين يفترض أن القارئ يملك الصبر نفسه، والوقت نفسه، والاهتمام نفسه، وأحيانًا يخطئ القارئ حين يظن أن كل فكرة يجب أن تكون واضحة من أول قراءة. الحقيقة -كما هو الحال غالبًا- في المنتصف، المعنى ليس هدية جاهزة، ولا لغزًا مغلقًا، هو محاولة مشتركة، قد تنجح، وقد تفشل، وقد تتأجل، وإن لم تفهم فكرة اليوم، فهذا لا يعني أنك أقل وعيًا، ولا أن الكاتب أعمق منك، ربما فقط لم يكن هذا هو الوقت المناسب، ولا اللغة المناسبة، ولا الحالة المناسبة، لهذا، إن شعرت يومًا أن مقالًا ما لم يحترم وقتك، فلك كامل الحق أن تتركه، دون شعور بالنقص، ودون شعور بالذنب، وإن عدت إليه لاحقًا، وفهمت منه شيئًا جديدًا، فهذا جيد، وإن لم تعد، فهذا أيضًا جيد. القراءة ليست سباقًا، ولا مقياس ثقافة، ولا اختبار ذكاء، هي لقاء إنساني بين شخص كتب، وشخص قرأ، وقد لا ينجح اللقاء دائما، وإن كان لا بد من اعتذار أخير، فهو هذا: أعتذر إن طلبت من القارئ أكثر مما ينبغي، وأعتذر إن نسيت أحيانًا أن الفكرة -مهما كانت مهمة- لا تبرر أن نثقل على من يقرأها، نحاول فقط.. وفي المحاولة يحق لنا أن نخطئ.