افتتح عبده مطعمًا في العاصمة الرياض، وهو من سكان إحدى المناطق الطرفية في مملكتنا الشاسعة، وتلقّى تنبيهًا يُبلغه بإيقاف رخصة النشاط لوجود مخالفة. حاول إيجاد أي طرق لحل المشكلة عن بُعد، إلا أنه اشترى تذكرة طيران بقرابة 1000 ريال، وذهب للعاصمة ليقف بنفسه على رفع المخالفة وإعادة نشاطه للعمل في أسرع وقت. وما إن وصل إلى الرياض وذهب إلى الأمانة حتى وجد حراس أمن يقفون على الباب لمنع دخول أي مراجع، وتوجيههم إلى مراجعة مكاتب خدمة «مدينتي»، وهي خدمة استحدثتها أمانة الرياض خصيصًا لمدينة الرياض. أما موظفو مكاتب «مدينتي» فوجهوا عبده بتحميل التطبيق ورفع تذكرة بما وقع معه، وأنه سيتلقى ردًا بالرسالة يُبلغه أنه تم الانتهاء من الإجراء. عاد عبده إلى منطقته، وبالفعل وصلته رسالة نصية تحثه على الدخول للتطبيق لمعرفة الإجراء، وبعد أن «حدّر وقبّل» و«حفر وطمر» في التطبيق لم يجد سوى خانة «تم الإجراء». ولكن ما هو الإجراء؟! لا يمكن معرفته إلا بحجز تذكرة طيران أخرى، وبالفعل وصل عبده للموظف نفسه الذي طلب منه رفع تذكرة سابقًا، وأبلغه الموظف أنه لا يمكنه الاطلاع على نتيجة الإجراء إلا عن طريق الموظفين. وكان هناك جزء من الإجراء يتطلب الدخول على تطبيق آخر وهو (بلدي) التابع لنفس الوزارة التي تتبع لها أمانة الرياض «بكبرها» وتطبيقها «مدينتي»، فعاش قصة مقاربة مع تطبيق «بلدي»، فقط لعدم الربط بين التطبيقين بحوكمة رقمية تجعل التطبيقين والخدمتين واحدة فيما يرتبط بينهما. المهم أن صاحبنا طامر وغامر على قرابة ثلاث رحلات ذهابًا وإيابًا بمبالغ باهظة، فقط لمعرفة إجراء كان يمكن إنجازه وربما «عبده» يحتسي شاي الظهيرة في منزله. خصوصًا وإن لم أكن واهِمًا فقد قرأت خبرًا منشورًا على إعلامنا بما نصه: (وفقًا لمؤشر (GTMI) الصادر عن مجموعة البنك الدولي لعام 2025 ويشمل 197 دولة، السعودية الثانية عالميًا في الحكومة الرقمية). فكيف نصل إلى هذه الدرجة على مستوى العالم بينما لا تزال تطبيقات وخدمات تمس جودة حياة أغلبنا تفتقر لمثل هذه السهولة؟ ما أريد قوله: إننا فعليًا كمواطنين ومقيمين وزوار على أرض بلادنا نلمس يوميًا المعنى الحقيقي لصحة هذا الخبر؛ من إنجاز شهادة وتسمية المولود، إلى بيع العقارات والممتلكات ونقل الملكيات، والتشخيص الطبي، وحتى الأحكام القضائية، وجميع ما تختص به وزارة العدل صغيرًا أو كبيرًا، يكون عن بُعد ولا تحتاج أن تجلب أي وثائق، بل عن طريق الربط الآلي. فلعلي أبالغ في قصة «عبده»، وإن كانت حقيقية ف(هل يُعقل يا «بلدي» و«مدينتي»).