أشد جنايات المشروع الإخواني تقحّمهم جلالة لفظ الإسلام الذي يحجب عقول الناس عن معرفة حقيقتهم، وخلق النفور عن نقدهم، أو بيان صدهم عن سبيل الله! لأنهم إخوانٌ ومسلمون! اسم خادع، كسُور له باب، ظاهره فيه الرحمة، وباطنه من قبله العذاب، فهي تخدم مصالحهم ومطامعهم ولو في مقابل هدم معاقل الإسلام وحصونه، فلم يتركوا شيئًا من عقائد الإسلام، ولا من فضائله، ولا من تشريعه، ولا من مناقب رجاله إلا وصوّروه بما يخدم مطامعهم إما بصورة محرّفة، أو بصورة مشوّهة، وقد سبقني علماء أجلاء ورجال فضلاء إلى بيان ذلك كله!، ولكن هذه إشارة إلى خسائر مُني بها العالَم الإسلامي من جماعة الإخوان المسلمون؛ رجاء أن يستفيق العالَم الإسلامي ويتفطنوا لما وراء الدعاية البارزة في زيٍّ إسلامي من المآرب الخبيثة: أولًا: الخسارة في المفاهيم: لقد اشتدّ المشروع الإخواني في استحالة الدين من جعله مرجعية ضابطة للناس في قيمهم وأخلاقهم وعاداتهم وعباداتهم، إلى عُدّة للخصام التنظيمي والحزبي!، فأقلامهم وألسنتهم ومفاهيمهم كلها كُتبت لهدف معين -أصبح اليوم مكشوفاً، لا يُراد بها الانتصار للإسلام ومفاهيمه وقِيَمه -كما يزعمون، وإنما حماية لجماعتهم ومفاهيمهم ومنهجهم، وحماية لعقول أتباعهم من أن تتحرك في جهة مخالفة للجهة التي تزحف إليها مطامعهم ومصالحهم على ديار الإسلام والمسلمين، فتكون لهم -بقوة الشعارات الرنانة- مفاهيم ينساق لها عامة المسلمين إلى حيث تُريد الجماعة، ويقتنع بها المتبِّع لهم كل الاقتناع، ومن خلال تلك المفاهيم تتكوّن نظرته إلى مجتمعات العالَم الإسلامي وحكّامهم، وتكون لهم -زيادة على ذلك- معرفة وافرة لخوض النقاشات والسجالات والمناظرات مع من سوف يُلاقيهم أو يُعاشرهم، وفي عقله وقلبه ولسانه تلك المفاهيم والمنطلقات التي يثق بها، ويطمئن إليها، ويُجادل عليها، من غير أن تضعف له حمية أو يتردد في المنافحة عنها -أيًا كان مضمونها، أو المتحدث فيها!. ويتجلّى هذا الإخسار في المفاهيم في تطويع الدين الإسلامي ومعارفه لخدمة ذلك التنظيم والانتصار له ولمفاهيمه، فالغيرة المحمومة -مثلاً- من ظهور دعوة الإمام المجدد محمد بن عبدالوهاب للتوحيد في المملكة العربية السعودية وانتشارها في أصقاع الأرض، أبقت في نفوسهم المريضة آثارًا مُرّة تُغني عن رواية قصص محاربة جماعة الإخوان المسلمون للدعوة النجدية، سواء في محاولات زعزعة إيمان المسلمين بها، وصدّ الناس عنها، واتهامها بالأباطيل!. لقد تصدّع فقه المقاصد والمآلات -وهو من صميم المنهج الأصولي- بخبطهم، من خلال رسم صورة ذهنية محرّفة عنه وعن معارف الإسلام وغاياته، مموّهة بالكذب تارة، وبالتحريف تارة أخرى، حتى يُطبَع في نفوس الناس جميعاً تلك المفاهيم الخادمة للتنظيم والجماعة، فيغدو انطباعًا عامًا لا قدرة للمسلم العامي على ردّها، فضلًا عن مقاومة الجهل المركب في تصوراتهم ؛ ذلك أن هذه الجماعة لا تحارب الإسلام في الظاهر، وإنما تحارب القرآن الكريم والأحاديث النبوية والآثار ومقالات السلف، وتُريد أن تتبدل بكل حرفٍ يقف عاجزًا عن تأييدهم وصبغ مفاهيمهم صبغة دينية إسلامية، وهكذا كل عالِم أو كتابٍ أو معتقدٍ لا يكون عليه مسحة إخوانية! ثانيًا: الخسارة العلمية: من السمات البنيوية في المشروع الإخواني هو تقديم الداعية الحركي على العالِم الربّاني، وجعل الانضباط التنظيمي شرطاً من شروط الأهلية، ومعيارًا من أهم معايير التقديم، فتوظيف المساعي العلمية لسرقة العلم والكذب فيه، لا بد فيه من إبعاد أهل العلم الراسخين، وتقديم أتباعهم واستغلال ذلك أبشع استغلال، إما بالدعوة إلى التجديد تارة وأن كل قديم فهو بال، وإما بتزهيد الناس وخاصة النشء في علمائهم بحجة أنهم مغيّبون عن الواقع، حتى إذا تم لهم ما يبتغون من غضّ مكانة العلماء في صدور الناس، حضرتْ مفاهيمهم وانحرافاتهم ومنهجهم فانزلقت بها عامة الخلق، وانفتن بها أكثر الشباب، في زيٍّ إسلاميٍّ خبيث، لولا تفطنوا لما وراء ذلك لكانوا منها على حذر شديد، بل لا نقلبوا عليها وعليهم وصاروا ضدّهم وضدّ جماعتهم، وقد بلغ ذلك مبلغًا عظيمًا في ميزان الإسلام الصحيح، فالتوحيد لا قيمة له عندهم إذا كان سيُفرّق أتباعهم!، والتوحيد لا عبرة به إذا كان الداعي إليه رجل لا يُواليهم ولا ينتمي إليهم! والشارع يقرّر أن الرسل إنما بُعثت للتوحيد، والكتب إنما أنزلت من أجل التوحيد! (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) وهذه الخسارة ليست أوهامًا ولا شكوكًا قائمة على الظنون الواهية، بل هي حقائق قامت عليها كتبهم وبحوثهم ودراساتهم المنحرفة، ونطق بها قادتهم وأتباعهم، وإنا لله وإنا إليه راجعون. ثالثًا: الخسارة المادية: لقد ابتُليت الأمة الإسلامية في عِداد مصائبها بحروب صليبية وفقرٍ وجوعٍ وأوبئة، إلا أن مصيبتها وخسارتها مضاعفة بفئة خرجتْ باسم جماعة الإخوان المسلمون ملوثة عقولهم، ليس فيهم موضع ثقة ولا أمانة، يُكرهون الأمة الإسلامية إكراهًا على صدع نظامها، وتخريب بنائها؛ لأن أخف الضررين -عند جماعة الإخوان المسلمين دائمًا- هو إفساد النظام، وإضاعة الأموال، وإزاغة العقائد، وإفساد العلم، والتدليس على الناس، نظامهم ومنجهم على عكس النواميس -وإن كان قصدهم إقامة ناموس أفلاطوني يخدم مصالحهم فقط!، فهو وإن كان مستحيلًا في العقل وممنوع في الشرع إلا أنه كالذي ينقض ركن في بيته ليرمّ صدعاً في ركن آخر منه، ولا تخفى دعواتهم في السرّ والعلن إلى تخريب بلاد المسلمين بيوتهم وأبنيتهم وعمرانهم بأيديهم وأيدي أتباعهم، فهي ظاهرة مكشوفة، قد شهدتْ عليهم أعمالُهم وأصحابهُم وأتباعهم وأعداؤهم والأبرياءُ والضعفاءُ والهمجُ والحمقى والمغفّلون، مع نهي أهل العلم الصريح عن ذلك كله وتحريمه، فلا يكون منهم إلا اتهامهم بالتخاذل والنفاق، والسخرية من أهل الحزم وأهل الرأي وأهل العقل ووصفهم بالخنوع والخضوع، وأوصاف ومزاعم عريضة لا تجوز إلا على أبله!، وهو في الحقيقة استكبار عن الحق يُشبه استكبار إبليس، واستخفاف بعقول أفراد الأمة، والله سبحانه يقول (سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ) فتكون الأمة قد خسرت مرتين، مرة في واقتصادهم الذي بنوه زمنًا طويلًا فتعطّلت مرافق، وتكسّرت سلال إنتاج، وتوقّفت دواليب كسبٍ، وتشددّت اشتراطات التمويل، وخرّت سمعة أسواق المسلمين ومنتدياتهم، ومرة في عقولهم في حماية هذه الفكرة الأثيمة! فمرض الخراب لا يُعدي بيتًا من بيوت المسلمين، ولكنه يمتدّ في فساده -كالجيش المعادي المحتل- تنشق له الأرض، وتكاد السماء أن تقع، خاوية على عروشها، قائمة على البؤس والهم والحزن والفقر والجوع ! والتاريخ شاهدٌ في تحقيرهم وزرايتهم. وتبًا لمنهجٍ أول ما فيه أن تكون عدوًا للإسلام ودولتك المسلمة ومجتمعك المسلم ووطنك!، ولن يقوم للإسلام ولا المسلمين قائمة حتى تصبح خاوية على جذوعها من جماعة الإخوان المسلمين وأمثالها من الجماعات والأحزاب، وهذه حقيقة لا شبهة فيها، جاء في صحيح مسلم: (سَأَلْتُ رَبِّي ثَلَاثًا، فأعْطَانِي ثِنْتَيْنِ وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً؛ سَأَلْتُ رَبِّي: أَنْ لا يُهْلِكَ أُمَّتي بالسَّنَةِ فأعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لا يُهْلِكَ أُمَّتي بالغَرَقِ فأعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لا يَجْعَلَ بَأْسَهُمْ بيْنَهُمْ فَمَنَعَنِيهَا).