تصدر بنيامين نتنياهو عناوين أكثر دموية، قبل أن يتصدر عناوين الفساد والاحتيال، من أوامر القصف المكثف على المستشفيات في غزة، إلى استهداف مناطق مكتظة بالمدنيين، وعمليات الحصار التي تسببت في انهيار النظام الصحي ونقص الغذاء والدواء، وصولا إلى هجمات متكررة على مدارس تابعة للأونروا ومراكز إيواء المدنيين. وهذه الجرائم التي أثارت إدانات واسعة دوليًا لم تمنعه من التقدم اليوم بطلب عفو عن تهم فساد، في خطوة يرى خصومه أنها استمرار لنمط واحد: الإفلات من المساءلة، سواء تعلق الأمر بجرائم حرب هزّت العالم أو بجرائم فساد تُحاكمه دولته عليها. خبراء القانون ورغم الزخم السياسي الذي أثاره الطلب، يؤكد خبراء القانون أن العفو لا يمكن أن يوقف المحاكمة. وقالت إيمي بالمور، المديرة السابقة لوزارة العدل، بوضوح إن «هذا مستحيل»، مشيرة إلى أن القانون يمنع طلب العفو قبل الاعتراف بالذنب ووجود إدانة نهائية. وذكرت أن الطريق الوحيد لإيقاف المحاكمة هو تدخّل المدعي العام، وهو أمر غير مرجح سياسيًا وقانونيًا. لحظة حرجة وقدّم نتنياهو طلبًا رسميًا إلى رئيس دولة الاحتلال للحصول على عفو كامل من التهم التي يواجهها في ثلاث قضايا فساد منفصلة. الطلب، الذي وصفه مكتب الرئيس بأنه «استثنائي ويحمل تداعيات جسيمة»، جاء بينما تعيش إسرائيل واحدة من أكثر مراحل الانقسام السياسي حدة في تاريخها الحديث. ورغم أن المحاكمة مستمرة منذ سنوات، فإن خطوة نتنياهو هذه تُقرأ على نطاق واسع باعتبارها محاولة للالتفاف على مسار قضائي معقّد، ولإنقاذ مستقبل سياسي بات مرتبطًا بمصير هذه القضية. المحاكمة في ظل المنصب ويُعد نتنياهو أول رئيس وزراء في تاريخ إسرائيل يُحاكم جنائيًا وهو يشغل منصبه. وتتضمن لائحة الاتهام ثلاث قضايا تتعلق بالاحتيال، وخيانة الأمانة، وتلقي رشاوى مقابل تسهيلات ومزايا لشخصيات ثرية مقربة منه. ورغم أنه لم يُدن حتى الآن، فإن الأدلة التي عُرضت أمام المحكمة خلال السنين الماضية أظهرت شبكة علاقات شخصية وسياسية ومالية متشابكة، يصفها خصومه بأنها نموذج للفساد الممنهج على أعلى مستوى في السلطة. حجج وضغوط وفي بيان مصوّر، قال نتنياهو إن المحاكمة «تمزق البلاد من الداخل» وإن العفو سيعيد «الوحدة الوطنية». وأشار إلى أن إلزامه بالمثول أمام المحكمة ثلاث مرات أسبوعيًا يعيق قدرته على قيادة الدولة في ظل «تحديات إقليمية كبيرة». لكن خصومه يرون أن ربط محاكمة الفساد بالوضع الأمني هو محاولة للهروب من المساءلة واستغلال الزمن السياسي المضطرب لكسب تعاطف شعبي، خصوصًا بعد الهجمات المسلحة التي وقعت في أكتوبر 2023 والتي استُخدمت سابقًا في تبرير تأجيل جلسات المحكمة. دعم ترمب والطلب جاء بعد أسابيع من ضغط مباشر من الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، الذي طالب إسرائيل بإصدار عفو عن نتنياهو واصفًا الاتهامات بأنها «ملاحقة سياسية وغير مبررة». هذا التدخل أعاد فتح النقاش حول تأثير السياسة الخارجية على القضاء الإسرائيلي، وحول مدى محاولة نتنياهو الاستفادة من علاقاته الدولية للخروج من مأزقه القانوني. سيادة القانون ورد المعارضة جاء سريعًا وقاسيًا. حيث ذكر زعيم المعارضة يائير لابيد أن منح العفو «دون اعتراف بالذنب وتقاعد فوري من الحياة السياسية» يمثل تقويضًا خطيرًا لنزاهة القضاء. أما حركة جودة الحكم فاعتبرت أن الطلب يبعث رسالة مفادها أن نتنياهو يرى نفسه فوق القانون، وهو ما يشكل سابقة خطيرة في نظام سياسي يقوم على مبدأ المساءلة. التناقض الكبير واللافت أن نتنياهو يتقدم بطلب عفو عن جرائم فساد في الوقت الذي يتهمه المجتمع الدولي بارتكاب انتهاكات جسيمة لقوانين الحرب. هذا التناقض جعل كثيرين يرون أن السياسي الذي يسعى لطي صفحة الفساد لم يطوِ يومًا صفحة الجرائم الأخطر التي ارتُكبت في عهده، والتي ما زالت تداعياتها الإنسانية قائمة حتى اليوم. أربع مجازر سمح بها نتنياهو قصف مدرسة تابعة للأونروا كانت تؤوي آلاف النازحين. استهداف مستشفى الشفاء ومحيطه خلال العمليات العسكرية. قصف حي الشجاعية الذي أدى إلى سقوط عشرات المدنيين. الهجوم على مخيم جباليا الذي تسبب بخسائر بشرية واسعة.