خالد بن سلمان: تدشين ولي العهد لعدد من المشاريع السكنية والطبية يأتي انعكاساً لدعمه اللامحدود    امارة الباحة تتوعد صائدي الحيوانات النادرة    مكافأة تصل إلى 3 آلاف ريال.. «سرب» يعلن عن برنامج تدريبي منتهي بالتوظيف لحملة الثانوية    ارتفاع أسعار النفط.. و"برنت" صوب 74 دولار    وظائف صحية شاغرة في مدينة الملك سعود الطبية    اهتمامات الصحف المصرية    في يوم الأب العالمي .. عبارات الثناء تنهال على البطل الخارق    المركز الوطني للأرصاد: سحب رعدية ممطرة على منطقة الباحة    بالصور…مركز حي النزهة يشارك باليوم العالمي للتبرع بالدم 2021    جامعة نجران تعلن عن إطلاق عدد من البرامج التدريبية المجتمعية    خلال 24 ساعة: البرازيل تسجل 1025 وفاة جديدة بفيروس كورونا    الصحف السعودية    هدف عكسي من مينا يمنح بيرو الفوز على كولومبيا في كوبا أمريكا    اليمن تناقش مع منظمة الصحة العالمية والبنك الإسلامي مشروع دعم القطاع الصحي    النصر يقدم عرضه من أجل حارس أولسان هيونداي    وليد باخشوين يرد على عرض للرحيل عن الوحدة    صاروخ يستهدف قاعدة عراقية تضم أمريكيين    رسالة لمفتي إثيوبيا.. مصر كلها غنت للنجاشي لعدله وليس لسده!    السفير الروسي يعود لواشنطن والأمريكي يستعد    أمير المدينة: إسهامات إيجابية من القيادة لدعم الاقتصاد الوطني    وزارة الصناعة تزيد مدة الترخيص الصناعي إلى خمس سنوات    على غرار سوق المال.. القطاع العقاري بحاجة لعقوبات تردع المضللين    الأهلي يواجه الترجي والنجم الساحلي ودياً    وزير الرياضة: سعيد بانطلاق كأس العرب لمنتخبات الشباب    خادم الحرمين يتلقى رسالة خطية من الرئيس الفلبيني    منتخب إيطاليا يخطف الأنظار في يورو 2020    وزير الصحة يوقع مذكرة تفاهم رياضية    رئيس البرلمان العربي يدعو لتكثيف الاهتمام الدولي بقضايا واحتياجات اللاجئين في العالم    "إمارة الباحة" تتوعد بملاحقة ومعاقبة العابثين بمقدرات الحياة الفطرية    القيادة تعزي رئيس زامبيا في وفاة كاوندا    القبض على 3 أشخاص اصطادوا وعل    «النيابة»: السجن 3 سنوات ومصادرة 6 ملايين ريال لمواطن ومقيم هربا أموالا للخارج    السجن 15 عاماً والغرامة مليون ريال لكل من يقدم المساعدة للمتسلل    راشد الماجد يعود بجمهوره للتسعينات    مساء اليوم.. مفازات تأويلية في «أدبي الباحة»    العسيري: المجلة إحدى الأدوات الاتصالية لتعزيز الرؤى الحوارية    هلال #الباحة يطلق مبادرة "اطفالنا مسعفون"    إلغاء تقليص مدة الانتظار بين الأذان والإقامة    فتح مسجد قباء للمصلين والزوار على مدار اليوم    الهجرة.. خيار السوريين المر    «النيابة» :السجن 10 سنوات وغرامة تصل ل30 مليون ريال عقوبة إيذاء وقتل الكائنات الفطرية            مدارس التفكير !    وزير الإعلام والرؤية الإعلامية العربية    الرئيس التنفيذي ل«المرئي والمسموع» ل عكاظ: فسح فوري للمطبوعات الخارجية.. وسنتصدى للقرصنة        برامج ومبادرات تعليمية وتدريبية للطلاب خلال الصيف    ولي العهد يُدشِّن 8 مشروعات سكنيّة وطبيَّة لمنسوبي وزارة الدفاع    الرئيس العام لشؤون الحرمين يؤكد استمرار العاملين بالحرمين الشريفين في التقيد بالإجراءات الوقائية    اليأس والفقر يحاصران الإيرانيين        1.5 مليون ريال غرامة على 3 منشآت مخالفة للغذاء والدواء    بريطانيا: التطعيم يتوسع.. وكوفيد يتزايد !    حديث «الجرعة الثالثة» يملأ الأفق    أمانة عسير تنفذ 14097جولة رقابية خلال أسبوعين    (عجباً لأمر المؤمن.!!)    "الأمر بالمعروف": الدفاع عن المملكة وكبت أعدائها والقضاء عليهم جهاد مشروع أمر الله بهmeta itemprop="headtitle" content=""الأمر بالمعروف": الدفاع عن المملكة وكبت أعدائها والقضاء عليهم جهاد مشروع أمر الله به"/    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





الاحتلال العثماني لعسير والريادة الثقافية
نشر في الوطن يوم 11 - 05 - 2021

في مقال الأستاذ مجاهد عبد المتعالي الأسبوع الماضي الثاني من مايو 2020 تحدث تحت عنوان لافت عن «تجريف أبها ثقافيا»، منتهيا إلى أن تأثير الوجود العثماني المحتل في منطقة عسير، كان سببا فيما سماه بتجريف أبها ثقافيا وهو ما جعل الريادة الثقافية لمحافظة رجال ألمع لمقدرتها على «المحافظة على أهم تربة لاستنبات الثقافة وهي الحرية والتعددية الفكرية». ولأن الموضوع ذو أهمية للبحث والنقاش خاصة ما أشير له في بداية المقال عن «المسكوت عنه في التاريخ» ونعني هنا تاريخ الاحتلال العثماني لمناطق مختلفة في الجزيرة العربية ومنها عسير، التي كانت مقبرة لهم كما تتحدث كتب التاريخ والوثائق التي تتناول تلك الحقبة من التاريخ، أو تفكيك المصطلحات التي أوردها الزميل الكاتب في مقاله «كالتجريف الثقافي» أو «الريادة الثقافية» وما يتعلق بهما.
من المهم حين نتناول الاحتلال العثماني للجزيرة العربية، وتحديدا منطقة عسير قبل مئات السنين أن نشير إلى الجرائم التي ارتكبها الجيش العثماني المحتل في كافة المناطق التي استولى عليها، حتى غادرها مخذولا بقوة وبأس رجالها وتكاتفهم لأجل الحفاظ على وحدة المكان والقربى التي تجمعهم، وعشرات القصص البطولية التي كتبها ورواها المؤرخون، دليل على استبسال أهالي هذه المنطقة في مقاومة المحتل وتعاونهم كمنطقة واحدة لا فرق فيها بين مشرقها الذي يمتد من بيشة وشهران وقحطان، ولا غربها المنتهي بالساحل البحري للقحمة والشقيق وما يتوسط هذه المنطقة من مناطق كرجال ألمع ورجال الحجر وأبها، علما بأن عاصمة إمارة عسير وقتها كانت بين طبب وريدة التي تقع على سفوح جبال تهامة. وفي مرحلة ما من هذا الاحتلال وحتى تسير حياة العسيريين وأمورهم كما يجب، حدث أن عيّن الأتراك قضاة ومسؤولين وجباة وعمالا من أبناء المكان وأعانوهم على بناء قلاع ومساكن تخصهم وذويهم، ما زالت حتى اليوم قائمة في أماكنها المعلومة.
في أي احتلال من دولة لدولة أخرى تحرص الدولة المحتلة على أن تترك لها أثرا في المكان الذي احتلته، غالبا ما يكون ذا بعد حضاري أو ثقافي أو إنساني. فاحتلال بريطانيا على سبيل المثال لدول كالهند وبعض الدول الأفريقية، ترك فيها بعد زوال الحكم البريطاني منها اللغة الإنجليزية وبعض آداب وسلوك الإنجليز في تلك المجتمعات، كما بنت المدارس والمستشفيات ورصفت الطرق وشيدت الجسور والسكك الحديدية وغيرها مما شكل هوية تلك البلدان، أو أثر فيها بنسب ملحوظة. كذلك الاحتلال الفرنسي للجزائر مع وحشيته وغدرته إلا أنه حتى اليوم ما زال يترك أثره في استخدام الجزائريين والتونسيين للغة الفرنسية، وفي أسماء الأماكن والأشياء والأشخاص، فضلا عن الآثار المعمارية التي بقت شاهدا حتى اليوم على تلك الحقب من الاحتلال.
بالعودة لمصطلح التجريف الثقافي فإن المقصود به لغويا هو إحلال ثقافة مكان أخرى بشكل متعمد، والثقافة هنا للمكان لا تقتصر على الآداب فقط، بل هي كل ما يمثل هوية ذلك المكان من لغة وتراث ورقص وغناء وموسيقى وأزياء ومسميات وعمران. وبالرغم من طول فترة الاحتلال العثماني لمنطقة عسير إلا أن هويتها الثقافية لم تتأثر بأي شكل من الأشكال بالوجود العثماني ولم تترك له في قواميس لغتها العسيرية حتى اليوم أي مفردات عثمانية تشير لوجودهم إلا ما ندر، ولم يترك الترك المحتلون أي مظاهر حضارية في هذه المنطقة إلا جسرا في وسط مدينة أبها، لتسهل عملية نقل مدافعها وجيوشها عبره للتنقل بين ضفتيه، فلم تبن مسجدا ولا مدرسة ولا مستشفى ولم يتبق إلا القلاع المنيعة التي بناها أهل المنطقة لحماية أراضيهم ومقابر العثمانيين المحتلين في منطقة شعار. وأزياء العسيريين ورقصهم وأنواع طعامهم وبنيانهم ولهجتهم بقيت كما هي حتى وصلت إلينا في هذه الأجيال دون لوثة ذات أثر من الإرث العثماني. لهذا من غير المنصف أن نقول إنه حدث في عسير سواء في أبها أو غيرها من المناطق المحيطة بها، أي شكل من أشكال التجريف الثقافي بمعناه العملي، فالعسيريون استبسلوا في الحفاظ على هوياتهم وطرائق حياتهم، كاستبسالهم في محاربة هذا العدو ودحره بعد سنوات من الطغيان والظلم.
لهذا فإن الربط بين الريادة الثقافية -بعيدا عن فهم المقصود بالريادة الثقافية هنا وتفكيكها بحثيا - لمكان على حساب مكان آخر قبل مئات السنين مع حدث تم قبل عدة سنوات هو ثغرة لا معنى لها. فبعيدا عن إقحام أسماء لأسر وعوائل من أبها أو رجال الحجر أو رجال ألمع، فإن مجرد إنشاء مجلس ثقافي في رجال ألمع لا يعني بالضرورة تزعم المكان للريادة الثقافية، والعكس صحيح بإنشاء ناد أدبي في أبها كبقية مدن المملكة، لا يعطي مكانا على آخر ميزة ثقافية ولا معرفية على حساب آخر. ولو كان تهجير ساكني المكان المحتل من قبل الترك وترحيلهم لأسطنبول ومصر والبوسنة، سيشكل فرقا ثقافيا في مدينة أبها التي رحل منها عدد كبير من رجالاتها وعوائلهم، فإن مناطق أخرى كالدرعية ومدن الحجاز أُسر الكثير منهم وقتل ورحل عدد كبير أيضا من رجالها لتلك الوجهات سيجعل منها أيضا الآن غير رائدة ثقافيا، إذا اتبعنا نفس القياس.
لقد أشار الزميل عبدالمتعالي إلى أن أهم عوامل الريادة الثقافية في رجال ألمع هما «الحرية والتعددية الفكرية»، وقياسا على المثال المتأخر الذي يكره كمثال لذلك من إنشاء مجلس ثقافي هناك تحت مظلة النادي الأدبي بأبها، فإن تساؤلا بريئا يطرح - وحضور المرأة يعد بعدا مهما لتمثيل الحرية - كم مرة استضاف أو قدم لذلك المجلس سيدة من داخل أو خارج المنطقة؟ فأنا لا أذكر أحدا على حد علمي وقربي من المشهد.
يقول الكاتب جوليان بيندا في كتابه المثير للجدل خيانة المثقفين: «إن اعتزام الأدباء على إصدار الأحكام التي تناسب إدراكهم الفني فقط هو إحدى سمات رغبتهم لتعظيم المشاعر على حساب الفكر». إن ما نحتاجه اليوم وقد شهد القطاع الثقافي في المملكة تحولا لافتا ومعاصرا منذ خمس سنوات، مع بدء رؤية 2030، أن نكون أبعد ما يمكن عن استسهال إصدار الأحكام على أحد أو فئة أو قطاع، وأن نجمع شتات الثقافة الذي تفرق كثيرا لنسير وفق التنظيم المؤسساتي والمدني المعاصر، الذي تتبناه وزارة الثقافة حاليا. وإن كان هناك تصحيح من أي نوع للماضي قبل مئات السنين، أو قبل خمس سنوات أن يكون محكما وفق معايير البحث والرصد العلمي الرصين.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.