«الجماعة» في النزع الأخير، «الإخوان» في حالة احتضار، من مصر إلى تونس إلى ليبيا، مرورا بالسودان، في دول مجلس التعاون تم الانتباه لمشروع الجماعة، وبدأ رموزها بالتنصل من تبعيتهم لها علانية. لم يبق سلاح في يد جماعة الإخوان سوى قناة الجزيرة ومفتيها القرضاوي، الذي يمثل الحالة الواضحة لجسد «الإخوان» الهرم. الشعب المصري الذي خرج في كل ميادين المحروسة، في تعبير صريح ضد مشروع الإسلام السياسي، يوم الجمعة الماضي، سيؤرخ على أنه بداية النهاية لجماعة الإخوان المسلمين، ومن المؤكد أن هذه الجماعة التي قضت غالبية حياتها في الظلام، وطوال تاريخها معتمدة على العمل السري، ولم تستطع مواجهة النور، عاما واحدا، من المؤكد بأنها سترتكب مزيدا من الأخطاء، قبل إسدال الستار عليها، بل إنها كلما أنكرت الواقع، وأوهمت تابعيها بأنها صاحبة الحق الإلهي، وما عداها باطل، فستضاعف من سوء نهايتها، وربما ينسحب أثر ذلك على جميع أطياف وتيارات الإسلام السياسي، بحيث يحتاج الأخير إلى زمن طويل وأدوات جديدة ليتمكن من تعديل الصورة التي خربتها – كليا – ممارسات الإخوان المسلمين، وعلى الأخص في الحقل السياسي. إن أكبر إشكالية وقعت فيها «الجماعة» في عملها، هو الكذب الصريح والواضح، الكذب البين، المعتمد على أن الناس بلا ذاكرة، أو هكذا يظنون. المشكلة هنا تكمن في استخدام الذهنية الدينية في تعاملهم مع الشأن السياسي، فمن جهة، نجد المبالغات غير الموضوعية، والقطعية الصارمة المناقضة للعلمية، فهم لا يتورعون عن القول بأن جميع ميادين التظاهرات مساء الجمعة الماضية، مؤيدة للإخوان فيما عدا ميدان التحرير (وقد قالها القرضاوي في الجزيرة مباشر)، أو ما تردده قناة الأقصى التابعة لحماس، أما الجزيرة فهي تحاول اللعب على المهنية على مضض، ثم تنهار منحازة في كذبة سافرة في اللحظات التي تعتبرها مصيرية، مثل وضع الجزيرة الإنجليزية عبارة تشير إلى مؤيدي الرئيس المخلوع على مظاهرات شارع الاتحادية، ناهيك عن المسلسل الطويل من الكذب المتواصل لقيادات الإخوان، والمثبتة صوتا وصورة في يوتيوب، كل ذلك ربما يمكن تمريره ضمن المكر السياسي، إلا أن الإخوان لا يقفون عند هذا الحد بل يكذبون باسم الدين أينما ينقلبون. رئيس دولة يقول في خطابه إلى الأمة في عرض اعترافه الخجول بأخطائه: إذا عملت وأصبت فلي حسنتان وإذا أخطأت فلي حسنة واحدة.. لا يا سيادة المخلوع ليست هكذا، هذا يصح عندما يكون ذلك شأن بينك وبين ربك، أما عندما تلعب بمصير الناس فليس لك حسنة بل يحاسبك الشعب. الإسلام السياسي استمرأ وضعية الضحية، والمظلومية هي متلازمة ذهنيته وتفكيره أبدا، فهو يشعر أن حياته عقاب وعليه أن يكفر عنها ليفوز لاحقا بالجنة، وبهذه الذهنية يمارس الاسلام السياسي دوره في الحياة، بين ترهيب للحياة وترغيب بالآخرة، والمظلومية يمكن أن يمارسها أصحابها لأنفسهم دونما فرضها على الآخرين، المختلفين معهم في صميم رؤيتهم للحياة، لكنهم عندما يتسلمون زمام إدارة الدولة ويجبرون الناس جميعهم على العيش تحت مظلة رؤيتهم تلك، أي المظلومية، فلا بديل عن إعادة إنتاج النموذج الإيراني، أو نموذج حزب الله وفي أحسن الأحوال نموذج حماس. الربيع العربي الذي ثار على الدولة العسكرية ها هو يشهد ثاني تحولاته، وهو ما بعد الإسلام السياسي، حيث لا مفر من الاختبار التالي وهو الدولة المدنية، لكن «العسكرية» و«الدينية» بالتأكيد تركتا أثرا عميقا، وسنشهد مدى ضرر الثانية، في ما يقوم به الإسلام السياسي الآن، وسنامهم الإخوان.