في إحدى جلسات مجلس الوزراء لمناقشة ميزانية الدولة وإعلانها، خاطب خادم الحرمين الشريفين الوزراء والمسؤولين قبل إعلان الميزانية بحديث صادق من القلب للقلب، فكان حديثه حازما، ومشددا على أنه (لا عذر لهم بعد اليوم في تقصير أو تهاون أو إهمال) وقد أشار أبو متعب إلى أنهم سيكونون مسؤولين أمام الله ثم أمامه عن أي تقصير يضر باستراتيجية الدولة، وقد طالب الوزراء بالظهور من خلال الإعلام ليشرح كل وزير ما يخص قطاعه بشكل مفصل ودقيق، واستبشر المواطنون خيرا بهذه الشفافية التي تعودنا عليها من ملك الإنسانية حفظه الله. في ظل القيادة الحكيمة الواعية التي تسعى دائما إلى تحقيق تطلعات المستقبل في تنمية اقتصادية دائمة ومستمرة، فإن الميزانيات الضخمة التي تعلن عنها وزارة المالية كل عام كفيلة بأن تنقلنا إلى العالم الأول، شريطة أن تلك الميزانيات تنفق بشكل جيد، وكان يجب أن نرى أثرها على مشاريع البنية التحتية للدولة، وحتى لا نكون طماعين نريد فقط أن نراها محققة قدرا لا بأس به في البنية التحتية للمدن الكبرى -على الأقل- ولكن مع الأسف لم يتحقق شيء من ذلك، لأننا في كل عام وعند موسم الأمطار نضع أيدينا على قلوبنا التي يعتصرها الألم حيث تتضح الصور جلية وواضحة للعيان من خلال الكوارث والدمار الذي يخلفه المطر وراءه. سبحان الله، وكأن المطر يأتي كل عام ليوجه رسائل للحكومة، حين يكشف ما خفي، واستتر خلف أقنعة الفساد، في الواقع أننا أمام تحدٍ كبير كل عام معه، حيث تنكشف كثير من الأمور السلبية، أبرزها مستوى شركات الصيانة التي تتسم بالضعف، وفشل تنفيذ المشاريع الذي يجب الاعتراف به بلا مواربة أو تبريرات، وتأكيد ضعف متابعة المسؤول، وتتبقى أخيرا موجة النقد الاجتماعي اللاذعة حين يقف المواطن عاجزاً عن المرور، وغارقاً في شبر ماء. هذا العام كان الدور على المطارات التي يصرف عليها بالمليارات، حيث سقطت أسقفها وغرقت صالاتها، وظهرت بشكل محرج جدا للقائمين عليها، ويعز علينا أن نكرر ما نقوله كل عام حول مشاريع تصريف مياه الأمطار في الشوارع والطرقات، التي تغرق سنويا والمسؤول يعرف ذلك ولا يعالج الأخطاء كما ينبغي، بل تتم المعالجة بصورة هزيلة ومضحكة، يفضحها المطر في الموسم الذي يلي الإصلاحات. وكذلك هبوط الجسور ونسفها بما عليها من سيارات، فأين المسؤول الصادق الأمين الذي يخاف الله في ما أوكل إليه من أمانة؟ ألا يعرف المسؤولون أن المطر سيأتي في الموسم المقبل وسيفضح ما تفعله شركات المقاولات التي تعمل بلا رقيب أو حسيب، ألا يعلمون أن الوطن يفقد بعض أبنائه وتدمر بعض ممتلكاته، عند هطول الأمطار في المواسم؟ من الظلم أن نقارن مشاريع دولة بترولية بمشاريع الدول الفقيرة، لكنه وجع أكبر عندما تكون مشاريع الدول الفقيرة ناجحة جدا، وتهطل عليها الأمطار طوال العام ولا تتأثر، كما تتأثر مشاريعنا بقطرة مطر!! أليس هذا هو الظلم بعينه؟ متى يفيق المسؤولون للبحث عن حلول ناجعة وناجحة، بدلا من تعليق أخطائهم على شماعة تعثر المشاريع الذي يوهموننا به وأنه السبب في عدم منحهم الفرصة الكافية لإصلاح ما أفسد المقاولون فيما مضى. جفت الأقلام وهي تكتب عن الفساد الإداري والمالي، وبحت الأصوات وهي تنادي هيئة مكافحة الفساد بأن الفساد في وطننا منظم جدا ومبني على مناهج وأسس وتعاون كبير بين المفسدين للدرجة التي يصعب معها كشف مفسد واحد بالأدلة القاطعة لتقديمه للمحاكمة العادلة ويكون عبرة لغيره، فالهيئة منذ إنشائها حتى اليوم لم تقدم لنا ما يشفع لها بالبقاء. باختصار الوطن ليس بحاجة إلى هيئة مكافحة الفساد، الوطن بحاجة إلى مواطنين صالحين لا يتاجرون بوطنهم بل يجب أن يحبّوه أكثر من أنفسهم، ويفتدوه بأرواحهم، ويحافظوا عليه وعلى أبنائه وممتلكاته، وينمُّوا اقتصاده بدلا من تنمية جيوبهم حتى يصبح وطنا يفاخر به الجميع. ملف الفساد في المشاريع التنموية يجب أن يفتح بشكل أكبر، إذا كنا صادقين في البحث عن حلول لمشكلة الفساد في البلاد، وأن يناقش الملف باستفاضة وبصدق وأمانة، وأن تشكل له هيئة من الخبراء الضالعين في الاستراتيجية والتخطيط ولو اضطررنا إلى الاستعانة بخبراء من خارج الوطن، للمساهمة في حل المشكلات العالقة كل عام، وخصوصا تصريف مياه الأمطار التي نقف عاجزين أمامها في كل موسم، وبذلك نحافظ على اسمنا وكياننا من نيل الأعداء الذين يستغلون موسم المطر للتشنيع بنا كدولة بترولية غير قادرة على حماية أرواح الناس من المطر، وأختم بما قاله خادم الحرمين الشريفين حفظه الله الذي عنونت به مقالتي لهذا الأسبوع: (المال موجود ولا عذر لأحد).