إذا أردنا أن نعرف سبب كل هذا التدهور وظهور منظومات العنف والتطرف من «داعش» وسواها من حملة راية التكفير والتفجير وجز الأعناق على الهواء.. فعلينا أيضا العودة لحصاد عقود من نظم الفشل.. التي لم تصنع سوى البؤس، ولم تراكم سوى الأسى، ولم تخلق سوى انعدام الثقة، ولم تحصد سوى الانهيارات تطورات الاحداث في المنطقة توحي بمزيد من القلق.. كما تلقي ايضا بقدر كبير من الغموض تحول دون الثقة بمحاولة فهم مسارها او ادراك ابعادها وغاياتها. قدم التحالف الدولي جرعة تهدئة لحالة القلق من انتشار تنظيم الدولة الاسلامية "داعش" إلا أنه كشف خلال اربعة اسابيع أنه غير قادر على الحد من حراك وانتشار التنظيم بآلية المواجهة التي اعتمدها.. ليس فقط من ناحية المواجهة العسكرية، وانما ايضا على مستوى قدرة التنظيم على حشد مزيد من المؤيدين والمقاتلين في صفوفه. خلال الايام الماضية عاد التنظيم يضغط على عاصمة الانبار، ويقاتل في ديالى، ويقتحم عين العرب بعد معارك شرسة مع قوات الحماية الكردية. بل ان بعض المحللين لا يستبعد دخوله بعض احياء بغداد اذا ما استمرت المواجهة على النحو القائم اليوم. وفي ظل الغموض المحيط بالمشهد في العراق وسورية واليمن يظل السؤال المعلق.. إلى اين يمضي هذا الصراع؟ ومن يحرك خيوطه الخفية في مشهد بالغ التعقيد؟ لم تأت "داعش" من فراغ. إنها ثمرة الدولة الفاشلة. العراق بعد انهيار نظام صدام حسين في 2003 كان المعمل الذي طور مسلسل وراثة الدولة الفاشلة عبر توسيع رقعة المواجهة والانتهاك. حكومة المالكي الطائفية غذت نزعة الصراع الطائفي وكرست عن طريق ميليشياتها عداء وغضبا ورفضا عم مناطق العراق السنية. الطبقة السياسية في بغداد ظلت تمارس لعبة التقية السياسية، بينما ظلت الميليشيات الشيعية تعمل بلا روية على تفريغ وقهر المناطق السنية. عقدة التاريخ سيطرت على عقل السياسي الطائفي، فتنكر للصحوات، وعبث في تركيبة الجيش الجديد الذي استهلك 50 مليار دولار، فإذا به يصبح نمرا من ورق في أول مواجهة جادة. الوكيل الايراني ظل يقوي تلك النزعة لمزيد من السيطرة على مناطق تحالفات كان يعتقد وما زال انها ضمانة لمزيد من السيطرة على المشرق العربي من بغداد الى بيروت مرورا بدمشق. ولم يكتف بهذا بل ها هو يضغط على الجزيرة العربية عبر الحوثي الذي سيطر على صنعاء ومدن اليمن الكبرى بعملية مازالت تثير الكثير من التساؤلات حول حجم التواطؤ مع تلك التطورات السريعة والمفاجئة. الدولة الفاشلة تمثل بيئة مناسبة زرعت "داعش" وسواها وستعمل على زراعة غيرها في ظروف مواتية لتصبح هذه المنطقة منطقة الصراعات الملتهبة والدموية. النظام السوري القمعي، حول ثورة شعبية الى حروب طائفية واهلية بامتياز. لقد حول سورية قبل الثورة الى دولة فاشلة.. حيث لا وظيفة للنظام سوى تكريس القمع رغم الغليان الكبير، فلا اقتصاد يمكن الاعتماد عليه، ولا رؤية تصنع شعوبا تتطلع بثقة لنظام قادر على الاسهام في انتشالها من بؤر الفقر والعوز والجهل، ولا مشروع سوى مشروع التحالف الطائفي ليبقى نظام الاسد الابن امتدادا لوراثة الطائفة برعاية ودعم ايراني وجد في مثل هذا النظام ضالته وحليفه. وليس غريبا سوى على اولئك الذين ما زالوا يعيشون في عام الستينيات، ولا يريدون ان يصدقوا أن محور الممانعة اكذوبة كبرى.. حتى لو صرح أحد المسؤولين الايرانيين قبل ايام، بأن انهيار نظام الاسد لا يعني سوى انكشاف اسرائيل أمنيا. لقد حطمت التطورات التي اجتاحت المنطقة منذ مطلع 2011 كل ثقة بتيار قومي مازال يقتات على بقايا المؤامرة التي تستهدف محور الممانعة!! إذا أردنا ان نعرف سبب كل هذا التدهور وظهور منظومات العنف والتطرف من "داعش" وسواها من حملة راية التكفير والتفجير وجز الاعناق على الهواء.. فعلينا أيضا العودة لحصاد عقود من نظم الفشل.. التي لم تصنع سوى البؤس، ولم تراكم سوى الاسى، ولم تخلق سوى انعدام الثقة، ولم تحصد سوى الانهيارات. من العراق الى سورية الى ليبيا إلى اليمن.. تحيلنا المؤشرات الى ماهية نظم الفشل.. ففي لحظة السقوط انكشفت على فراغ رهيب.. فلا مؤسسات قادرة على حماية بلدانها، ولا قامات سياسية لها موثوقية او مصداقية قادرة على لم شتات شعوبها.. جهل متفش وانقسامات حادة طائفية وقبلية ومصالح متضاربة، والاهم الثقة المفقودة بكل الاطراف من قبل كل الاطراف إلى درجة الاحتراب والانهاك والتدمير المتبادل. إنه الفرق الكبير بين اوضاع العرب وبين اوضاع شرق اوروبا بعد سقوط جدار برلين وانهيار الاتحاد السوفييتي. إنه الفرق بين شعوب ودعت منذ قرون انتماءات الطوائف والاعراق، وتجسدت فيها - حتى في عهود الاشتراكية - مؤسسات وقدرات واحزاب سياسية ذات قواعد جماهيرية، ومنظومات صناعية وانتاجية.. ومؤسسات مدنية.. إنها الدولة الحقيقة، التي ما ان تحطم جدار برلين حتى استعادت ذاتها لتعيد بأقل كلفة بناء الدولة على اسس ديمقراطية لم تكن بعيدة عن مفاهيمها وتجربتها في أي مرحلة من مراحل تاريخها. فلم تكن حرب يوغسلافيا سوى نتيجة بقايا التعصب العرقي الصربي، التي حمل رايتها مهووس مثل ميليوسيفتش وأتباعه، ولم تلبث بعد الحرب البلقان أن تهاوت وعادت صربيا لحجمها الطبيعي، وهي تتخلى كرها عن اجزاء واسعة من يوغسلافيا تيتو. وإذا كان الغموض يحيط بكثير مما يحدث بالمشرق العربي، وإذا كانت المخاطر تحيط بنا من كل جانب.. وإذا كان تنظيم متطرف لا يعرف له تاريخ الا منذ عامين استطاع ان يربك كل الحسابات في العراق وسورية.. وإذا كان الغرب والولايات المتحدةالامريكية لن ترسل جنودها الى ارض المواجهة، ولن تتحمل مشهد ارساليات القتلى إليها من اولئك الجنود.. فإن الاولى ألا تكون حصوننا ضعيفة او هشة من الداخل. إننا اذا لم نملك القدرة على مواجهة المخاطر التي تحيط بنا بقوتنا الذاتية فسنكون رهنا لكل طامع يستنزف قوانا وقدراتنا. إننا لا نشكو من قلة عدد السكان ولا من نقص الامكانات الذاتية المادية والمعنوية لمواجهة تلك المخاطر.. اذا ما وجهت نحو تحقيق امننا الوطني، ولكنا قد نشكو يوما الثقة المفرطة بالآخر في وقت قد لا يكون لديه الاستعداد لمد يد العون. إن بلادنا قارة كبرى، تتطلب حمايتها استراتيجية الاعتماد على الذات، وهذا يتطلب الاعداد الجيد والكبير، وهذا يتطلب تقوية حصوننا من الداخل، لا من خلال الشعارات والدعوات الطيبة، ولكن من خلال العمل الجاد على توظيف اموال وقدرات هذه البلاد في داخلها.. وتعزيز حظوظ المشاركة في تحمل المسؤولية بين القيادة والشعب، والالتفات الى العوامل التي تراكم الانهاك داخليا باعتباره التحدي الاكبر في مواجهة مخاطر الخارج ومشروعاته. فالحصون المنيعة من الداخل تستعصي على كيد الاعداء، وقادرة وحدها على صد مخططات الانهاك والتفتيت. كما أن التركيز على الداخل يعني تجسير تلك الفجوات التي ينفذ منها الاعداء والطامعون والطامحون، ولذا نحتاج لمعالجة وطي ملفات كثيرة لنستعيد ثقة الداخل بمشروع قادر على حمايته ودعم قدراته لتجنب هذا الفيضان الكبير الذي غزا الشرق، واصبحت مخاطره على حدودنا من الشمال والجنوب.. إننا امام استحقاقات داخلية سياسية واجتماعية واقتصادية من الصعب تجاهلها في عالم لا مكان فيه للضعفاء.