صدور موافقة خادم الحرمين على منح وسام الملك عبدالعزيز من الدرجة الثالثة ل 200 مواطن ومواطنة    العطلات تبطئ التداول والمؤشرات العالمية تحرك السوق السعودية    ولي العهد يستقبل المهنئين بشهر رمضان المبارك    الشعيبة 5 تتجاوز السعة التصميمية 11% وتسجل رقمًا عالميًا في كفاءة الطاقة    الأمم المتحدة: الهجوم على مدينة الفاشر السودانية يحمل سمات الإبادة الجماعية    ولي العهد يجتمع بالسيناتور الأمريكي ليندسي غراهام في الرياض    بأمر الملك.. وزير الدفاع يقلد قائد القيادة المركزية الأميركية السابق وسام الملك عبدالعزيز    مزاد إلكتروني بحرف وحرفين الجمعة عبر "أبشر"    تحت رعاية خادم الحرمين.. الأميرة فهدة آل حثلين تكرّم الفائزات بالمسابقة المحلية على جائزة الملك سلمان لحفظ القرآن الكريم    رسميًا.. تحديد موعد مواجهتي الأهلي والدحيل بدور ال16 بأبطال آسيا للنخبة    في جولة "يوم التأسيس".. الأهلي يقسو على النجمة برباعية في دوري روشن للمحترفين    ثيو هيرنانديز يشارك في جزء من مران الهلال    وزارة الطاقة: مزاولة العمليات المتعلقة بالمواد البترولية والبتروكيماوية تتطلب الحصول على التراخيص اللازمة    جمعية «عطاء» تبارك حلول شهر رمضان المبارك وتطلق برنامجها الرمضاني لعام ١٤٤٧ه    اقتران زحل بهلال رمضان يزيّن سماء الحدود الشمالية    "إيفان توني" يعزز صدارته لهدافي دوري روشن للمحترفين    «اقتصاد اللغة العربية».. محرك جديد يواكب تقنيات العصر    في شيء من فضائل الصيام    أسامة عبدالله خياط    الجبير: السعودية ستقدم مليار دولار لتخفيف معاناة الفلسطينيين    الوداد تطلق حملتها الرمضانية "بيدك تكمل فرحة يتيم" لدعم مسيرة الاحتضان    ترمب يمهل إيران عشرة أيام لإبرام صفقة «مجدية» أو مواجهة «أمور سيئة»    ريال مدريد يسلم كل الأدلة في قضية عنصرية فينيسيوس    إحباط تهريب (36,300) قرص خاضع لتنظيم التداول الطبي في جازان    موعد مباراتي النصر مع الوصل الإماراتي في دوري أبطال أسيا 2    الزهراني مديرًا عامًا للإعلام بأمانة الشرقية إضافة إلى مهامه متحدثًا رسميًا     نائب أمير الشرقية يطّلع على استعدادات أمانة المنطقة لشهر رمضان    سوق الأولين الرمضاني في جيزان حراك تجاري متجدد يعكس روح الشهر الكريم    نائب أمير المدينة يستقبل محافظي المحافظات    صرف أكثر من 3 مليارات ريال معونة شهر رمضان لمستفيدي الضمان الاجتماعي    أمير جازان يُدشِّن حملة "الجود منا وفينا" لتوفير مساكن للأسر المستحقة    من التأسيس.. إلى الرؤية    أمير جازان ونائبه يستقبلان المهنئين بمناسبة حلول شهر رمضان    ترقية الدكتور علي القحطاني إلى درجة أستاذ "بروف" في جامعة الإمام محمد بن سعود    الأمم المتحدة: المستوطنات الإسرائيلية ليس لها شرعية قانونية وتنتهك القانون الدولي    وسط تباعد المواقف.. تعثر محادثات جنيف بين موسكو وكييف    أكد القدرة على دمج عائلات داعش بأمان.. مصدر سوري: فوضى مخيم الهول مسؤولية «قسد»    تايوانية تزعج جيرانها بمكبرات الصوت عامين    إعتماد خطة مطار الملك عبدالعزيز لموسم ذروة العمرة لعام 1447ه    موسم الدرعية يعلن تمديد عدد من برامجه    خالد سليم بين «مناعة» و«المصيدة» في رمضان    أمير الشمالية يتسلّم الملخص التنفيذي لفرع "الاتصالات"    في جولة «يوم التأسيس» ال 23 من دوري روشن.. كلاسيكو نار بين الهلال والاتحاد.. والنصر يواجه الحزم    تحت رعاية خادم الحرمين الشريفين ونيابة عنه.. أمير منطقة الرياض يكرم الفائزين بجائزة الملك سلمان لحفظ القرآن الكريم للبنين في دورتها ال27 الجمعة المقبل    هرم كينيدي الجديد    كندية تفوق من التخدير بلكنة روسية    بائع شاي.. يقود إمبراطورية عالمية ناجحة    إنقاذ ساق مواطن من البتر في الدمام    جوائز عالمية تحتفي بروائع التصوير    «كأني أنظر إليك تمشي في الجنة»    رامز جلال يكشف عن ضحاياه    الطلاق النومي ظاهرة تتسلل إلى غرف الأزواج    صحة جازان تُكرّم مسيرة عطاء متقاعديها    بطليموس يعظ    أمير تبوك يستقبل المهنئين بشهر رمضان المبارك    أخطر الحيتان ليست التي تعاديك    تعليم الشرقية يحتفي بيوم التأسيس لتعزيز الهوية والإنتماء    سأل الله أن ينعم على الأمة الإسلامية والعالم بالاستقرار.. الملك سلمان: ماضون في نهجنا الثابت بخدمة الحرمين الشريفين    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



صالح بشير مع عبدالرحمن القحطاني

كنت قد وعدت القارئ الكريم بأن أفصِّل له في هذا الجزء بعضاً مما أجملته في الجزء الأول عن خصوصية العلمانية الفرنسية, وذلك على خلفية منع سلطات مطار شارل ديغول بباريس دخول ثلاث نساء سعوديات منقبات, رفضن كشف وجوههن للتعرف على هوياتهن, وإرجاع كثير ممن يعتمدون في زادهم المعرفي على المعارف المتلقاة, ذلك المنع إلى أنه مجرد حلقة من حلقات مسلسل حرب مستمرة على الإسلام, تشن عليه من طرف فرنسا, وبالجملة: من الغرب "الصليبي الكافر"!
فرنسا, شأنها شأن الدول الأوروبية الأخرى, تتعامل بشكل محايد تماماً مع كافة الأديان والمذاهب, ما لم تتماس, أو ما قد يترتب عليها, مع النظام المدني العلماني, فمتى حصل مثل ذلك التماس, فقد سقط المقوم الرئيس للشعيرة الدينية لكي تكون تحت ضمانة العلمانية
ولقد يحسن بنا أن نفرق بين أمرين, أولهما: حظر القانونُ الفرنسي لبسَ النقاب على النساء المسلمات بالكلية, سواء في الشوارع والأماكن العامة, أم في الجهات الرسمية وغير الرسمية, وثانيهما: حظر ارتداء أو استصحاب كافة الشارات والرموز الدينية في الجهات الرسمية التابعة للدولة, بصفتها نظاماً علمانياً يقف على الحياد من كافة الأديان والمذاهب.
لنبدأ بالأمر الأول, أعني حظر النقاب, إذ أنه وحده لمَّا يزل مالئ الساحة(الإسلامية!!) وشاغل أناسيها.
إذا نحن نظرنا إلى قانون حظر النقاب من ناحية دينية فحسب, فلا مناص من الاعتراف بأنه لا يتوافق البتة مع مبادئ العلمانية, والتي(= العلمانية) تتمحور بشكل أساسي حول التعامل مع الدين بوصفه محض علاقة فردية بين الإنسان وبين ربه. لكن ثمة حقائق تتناقض وهذا الافتراض. فمن جهة, فإن فرنسا, شأنها شأن الدول الأوروبية الأخرى, تتعامل بشكل محايد تماماً مع كافة الأديان والمذاهب, ما لم تتماس, أو ما قد يترتب عليها, مع النظام المدني العلماني, فمتى حصل مثل ذلك التماس, فقد سقط المقوم الرئيس للشعيرة الدينية لكي تكون تحت ضمانة العلمانية, وهو أن تكون الشعيرة ذات بعد رأسي, أي تعبر عن علاقة الإنسان بخالقه فحسب. والنقاب بما يمثله من رمزية دينية للمرأة المسلمة لم يعد, بالنسبة لفرنسا, ذا بعد رأسي فقط, إذ أصبح يمثل خطراً على الأمن القومي, نسبة لعدم قدرة رجال الأمن هناك على التحقق من هوية المتنقبة/ المتنقب, وهو أمر أكده متحدث باسم الشرطة الفرنسية, عندما صرح بأن الحادث(= منع ثلاث نساء سعوديات منقبات من دخول الأراضي الفرنسية), ليس تمييزاً ضد فئة معينة، وأننا"حتى لو واجهنا رجلاً يرتدي قناع ميكي ماوس, لكنا منعناه من الدخول".
أما الأمر الثاني, فيتعلق بحساسية الفضاء الفرنسي العام من تماس كافة ما يرمز إلى الأديان والمذاهب, مع كل ما يمت إلى السلطة السياسية( الزمنية) بصلة, ولعل أبرز مظاهرها ما قلناه سابقاً من حظر النظام الفرنسي"اصطحابَ أو ارتداءَ الرموز الدينية بكافة أشكالها, كالصليب المسيحي, وكالقلنسوة اليهودية, وكالعمامة السيخية, وكالحجاب الإسلامي, في كافة الجهات الرسمية الحكومية, بما فيها, بل وعلى رأسها: مؤسسات التعليم, كتأكيد منه على حيادية الدولة تجاه كافة الأديان والمذاهب". وما يلفت النظر في هذه المسألة بالذات, أن الدول الغربية الأخرى, وخاصة منها تلك الدول التي يسود فيها المذهب البروتستانتي, لا تعاني من تلك الحساسية الدينية, وبالتالي فهي لا تسمح بارتداء الشارات الدينية في الأماكن الرسمية فحسب, وبل وتسمح بممارسة العبادات والشعائر الدينية داخلها. بل إن بعضها, كبريطانيا مثلا, لا تحظر حتى لبس النقاب, لأنها تنظر إليه كرمز ديني محض. والسؤال هنا هو: لماذا اختلفت الأوضاع بين تلك الدول؟ لعل الأسطر التالية تجيب بقدر الإمكان.
إن لفرنسا تجربة خاصة مع الكنيسة الكاثوليكية, وهي تجربة مرعبة بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى. فلقد ذاق الفرنسيون الويل من تسلط تلك الكنيسة, إذ كانوا موضوعاً لسلطتها المطلقة, إلى درجة أن الفرنسي لم يكن يستطيع حينها أن (يحك رأسه!) إلا بفتوى من ممثلي البابا, أحلال هو أم حرام. ولذلك, فإن الفصل بين الكنيسة والدولة, وبالجملة: بين الدين والدولة, في فرنسا شهد صراعاً مريرا, ترتب عليه تضحيات اجتماعية جسام من الخوف والجوع ونقص الأموال والأنفس والثمرات, ولم تتحقق العلمانية هناك إلا بولادة قيصرية متعسرة, عكس ما انتهت إليه في الدول البروتستانتية, إذ أن المذهب البروتستانتي هيأ هو نفسه الأرضية المناسبة للعلمانية, بإلغائه الوظيفة المركزية للكنيسة, المتمثلة في التوسط بين الإنسان وبين ربه, وإعادة الدين إلى ما كان عليه زمن السيد المسيح والحواريين الأولين, عندما كان الدين شأناً فرديا, وكانت العلاقة بين الله والإنسان علاقة مباشرة بدون وساطة البابوات أو ممثليهم.
يحدثنا الدكتور: محمد عابد الجابري في كتابه ( في نقد الحاجة إلى الإصلاح) عن خصوصية التجربة الفرنسية مع العلمانية فيقول:"أما مفهوم "اللائكية"(Laïcité ) فهو يتسم بخصوصية التجربة الفرنسية ذات الكنيسة الكاثوليكية, ومعناه القاموسي في هذا السياق هو (النظام الذي يبعد الكنيسة من ممارسة السلطة السياسية أو الإدارية, وبالخصوص إبعادها من تنظيم التعليم). أما التنصيص هنا على إبعاد الكنيسة من تنظيم التعليم, فيعود بنا إلى ظروف النهضة في فرنسا ما بين القرن الثاني عشر والسادس عشر، حينما أخذ أساتذة الجامعات في باريس وغيرها - وكانت كلها تحت إشراف الكنيسة وميدانا تابعا لها- في النضال من أجل استقلال الجامعات عن السلطة الدينية وهو النضال الذي بدأ مع حركة الإنسانيين. ومن هنا ارتباط مفهوم اللائكية بفرنسا بفصل التعليم عن الكنيسة, وبالتالي تحريره من التبعية لدين معين، وجعله مستقلا عن تأثير أي دين. هذا مع ترك الحرية للكنيسة لتنشئ مدارس دينية خاصة بها".
أما عبد الوهاب المسيري فيرى أن" العلمانية مصطلح منقول من التشكيل الحضاري الغربي, ويوجد داخل هذا التشكيل الحضاري عدة تشكيلات فرعية: التشكيل الكاثوليكي, التشكيل البروتستانتي, التشكيل الأرثوذكسي. وقد عرف كل تشكيل من هذه التشكيلات هذا المصطلح بطريقة مختلفة من خلال تجربته الخاصة. كما خاضت هذه التشكيلات الحضارية تحولات مختلفة وتزايدت فيها معدلات العلمنة، واختلفت المواقف من العلمانية باختلاف المرحلة التاريخية".
تتمثل خصوصية التجربة الفرنسية مع العلمانية في أنها اضطرت, نتيجة للمخاضات العسيرة التي مر بها المصطلح في جدليته مع الكنيسة الكاثوليكية, إلى قطع حبل السرة نهائياً مع تلك الكنيسة, وعلى إثرها: مع الدين والمذاهب بالجملة, والنأي بها عن مجرد التماس مع كل ما يعود إلى الدولة بصفتها حامي العلمانية. وهي تجربة تختلف جذرياً عن تجربة الدول التي كانت تدين بالبروتستانتية, فهذه وإن كانت تعلمنت بالكلية, فإنها ظلت أقل حساسية من الدول الكاثوليكية تجاه الأديان والمذاهب.
وبالعودة إلى أولئك النسوة اللائي فضلن العودة من حيث أتين على أن يكشفن وجوههن لرجال الأمن في مطار شارل ديجول, لا مناص من أن نتساءل: ألم يستخرجن جوازات سفر تشتمل بالضرورة على صورهن الشخصية؟ وإذا كان الأمر كذلك, فما الفرق بين ظهور صورهن في جوازات السفر, والتي سيراها موظفو المطارات والجوازات, وبين الكشف عن وجوههن لرجال الأمن لمجرد التحقق من أنهن حاملات تلك الجوازات؟ لو أن أولئك النسوة رفضن منذ البداية تصوير وجوههن عند طلبهن استخراج جوازات السفر, لكن مطردات مع مبدئهن, أما أن يصورن ويستخرجن جوازات سفر, ثم يرفضن كشف وجوههن للتحقق من هوياتهن, فذلك ما يستعصي على فهم اللبيب!!


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.