وزير الصناعة والثروة المعدنية يناقش فرص نقل تقنيات استخراج الليثيوم    الهلال يتغلّب على الرياض بثنائية في دوري روشن للمحترفين    القبض على (5) مخالفين في جازان لتهريبهم (260) كجم "قات"    اليونسكو تُطلق أول برنامج تدريبي للحوار بين الثقافات بالشراكة مع الهيئة الملكية لمحافظة العُلا    «من تراثنا»... مبادرة بالرياض تبحث حلول مبتكرة تبرز ثراء هويتنا الثقافية وقيمنا الأصيلة    الأميرات مها ومنيرة يقدمنا التعازي ويطمئنن على مصابة الجبل الأخضر    الرافع يدشن انطلاقة مهرجان الزلفي للتمور والمنتجات الزراعية الثاني    معالي الرئيس العام لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يفتتح مبنى هيئة محافظة المويه    نقل مواطنة حالتها الطبية حرجة من مصر إلى المملكة    أرسنال يعاني من إصابات وأرتيتا يتطلع لفوز نادر في الدوري على ليفربول    فناربخشه ينفصل عن المدرب البرتغالي مورينيو    ترمب يلغي الحماية الخاصة لكامالا هاريس    «العقعق العسيري»... الطائر الوحيد الذي يستوطن المملكة دون غيرها    الملحقية الثقافية في الولايات المتحدة تستقبل دفعة جديدة من الأطباء المبتعثين لبرامج الزمالة والتخصصات الدقيقة    تفاصيل عرض الهلال لضم أوردونيز    الشؤون الإسلامية تكشف اختلاس كهرباء مسجد في جازان من أحد المقيمين لتشغيل منزله    الشؤون الإسلامية تشارك في يوم التصوير العالمي بجازان    القوات الخاصة لأمن الحج والعمرة تواصل جهودها بالمسجد الحرام والمسجد النبوي لصلاة الجمعة    مدير عام معهد العاصمة النموذجي يشهد انطلاقة العام الدراسي 1447ه    معرض "نبض الفن" بجازان يحقق نجاحًا باهرًا بأكثر من 5000 زائر    طارق السعيد يكتب..الاتحاد بين ضجيج الشائعات وصمت المركز الإعلامي    الثبيتي: الكبر طريق إبليس وسبب فساد المجتمعات    جمعية مراكز الأحياء بمكة تعقد اللقاء التنسيقي لمسؤولي التطوع    جامعة أم القُرى تختتم مؤتمر: "مسؤوليَّة الجامعات في تعزيز القيم والوعي الفكري"    الجالي وآل ناشع يتفقدان بعض المواقع المتضررة في محايل    الذهب يتجه لتحقيق مكاسب شهرية بفضل ضعف الدولار وآمال خفض أسعار الفائدة    النفط يتراجع وسط مخاوف الطلب ويتجه لتحقيق مكاسب أسبوعية    22 شهيدًا في قصف إسرائيلي متواصل على غزة    رئاسة الشؤون الدينية بالمسجد النبوي تنظّم حملة للتبرع بالدم    رياح وأمطار وضباب على عدة أجزاء من مناطق المملكة    خريطة الحظر: أين لا يتوفر ChatGPT في العالم؟    اليامي رئيساً تنفيذياً للهيئة المستقلًة لحقوق الإنسان بمنظّمة التعاون الإسلامي    150 مشاركا بفعالية غير حياتك بالمشي بالدرب    الفرنسي إنزو ميلوت سعيد بأول مشاركة مع الأهلي في الدوري السعودي    أول سعودية .. حصة المليكي تُتوج بالذهب في البطولة القارية    سرقة البيانات تهدد القطاع الصحي    في المملكة.. الإنسان والإنسانية أولًا    الاتفاق يكسب الخلود بثنائية في أولى جولات دوري روشن للمحترفين    الطب يقف عاجزا    أهالي قطاع غزة يُعبرون عن شكرهم للمملكة على المساعدات الإنسانية والإغاثية المقدمة لهم    رئيس جامعة الإمام عبد الرحمن ومنسوبوها يتفاعلون مع حملة ولي العهد للتبرع بالدم    "التخصصي" يشهد تفاعلًا واسعًا من المتبرعين ضمن الحملة الوطنية للتبرع بالدم    مُحافظ الطائف يستقبل قائد منطقة الطائف العسكرية المكلّف    بدء تسجيل 65,217 قطعة عقارية في منطقة مكة المكرمة        مستشفي حقل يحقق انجازاً طبياً في عمليات العيون    العبيكان يتماثل للشفاء    وسط استمرار التوتر بشأن برنامجها النووي.. إيران تعيد مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية    ضبط 289 كجم قات وأقراص خاضعة للتداول    آل ضيف يتلقى التعازي في شقيقته    9 أفلام سعودية قصيرة في مهرجان «البندقية»    الزهراني يهدي لوحة لمتحف الفيان    في ديوانيته الأسبوعية.. خوجه يحتفي بترقية الغامدي    الاحتلال يضاعف التوتر في فلسطين.. إسرائيل تقترب من غزة وعمليات عسكرية بالضفة    موجات الحر تسرع الشيخوخة البيولوجية    القدوة الحسنة في مفهوم القيادة السعودية    رحيل العميد بني الدوسري.. قامة إنسانية وذاكرة من التواضع والنقاء    إستراتيجية جديد ل«هيئة التخصصات».. تمكين ممارسين صحيين منافسين عالمياً    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



التحديث هل هو لغة كونية أو تفاعل ذاتي؟
نشر في الرياض يوم 22 - 06 - 2005

تعلو رنة الحبور حناجر الدبلوماسيين الأمريكيين ويغمرهم الشعور بالغبطة: أمريكا أبلغت رسالة الحرية وأوقدت شعلتها، تمعنوا شوارع المدن العربية، تأملوا وجوه المتلهفين إلى الديمقراطية وهم يحتشدون في كل زاوية.
قد لا يستدعي ذلك مناقشة جادة لأن الأمريكيين، أغفلوا احتمالاً هاماً في أن لا يكون ما يحدث في المنطقة نصراً لهم، وهو بالتأكيد ليس انحيازاً كاملاً لنموذجهم الذي يتعرض لإعادة تأويل على أيدي اليمين الفكري والثقافي.
المؤكد أن العالم العربي قد كان دخل غيبوبة مطبقة، وأن لفيفاً من الاخصائيين قد تنادوا من أنحاء العالم والتفوا حول سريره، ولكن الأمريكيين اختطفوا المباضع من أيديهم وشرعوا لوحدهم في تشريحه، ربما كانوا متعجلين كعادتهم في تأكيد انتصارهم ومصادرة ما يحدث لحسابهم.
إنهم يفترضون أن هذا العالم ليس غائباً عن وعيه فحسب، بل هو يداني حواف الموت، يتجاهلون الرقعة الحضارية والبنية الثقافية والإنسانية وتاريخ المنطقة، وينطلقون من منطق الثقة المطلقة بأن الثقافة الغربية هي نهاية الجهد الإنساني، وهي سائرة حتماً لاكتساح الثقافات الأخرى دون التأثر بها، هذه الثقافات لا تملك سوى أهلية التلقي والاستقبال، ويتجاهلون بصورة كاملة العوامل الذاتية والتفاعلات الحضارية، ذلك لأن تداولهم لشؤون المنطقة ينبني على مسلمات خاطئة.
إن ما يحدث لا يندرج في الأجندة الأمريكية، بل هو تجسيد لمجرى التيار التاريخي للتطور، لأن روافد الحدث الذي يدفع العالم العربي نحو التغيير ينبثق عن عوامل ومتغيرات انتجتها التجربة التاريخية القريبة للمنطقة، ورغم تشابك عناصر التجارب الإنسانية في العصر الحديث، فليس ثمة ما يشير إلى أنها سوف تنتهي إلى صيغة محددة تجمع شتات هذا العالم لتجعل منه وجهاً واحداً، ولكنها في نماذجها المتعددة ستؤكد مبادئ ومطالب إنسانية مشتركة لأن مفاهيم العدالة والحرية ليست اختراعاً متفرداً لأحد.
الشارع العربي يعكس توترات داخلية أفرغتها عوامل نابعة عن تفاعل ذاتي، ربما كان قد تلقى شحنات العنفوان الذي يتسم به عبر احتكاكه بالثقافات الأخرى، إلا أن مظاهر التعارض والتجاذب ليست إلا روافد لتيار واحد وأصداء لمطلب واحد هو التغيير، وأياً كانت درجة تعطش المنطقة لأطروحات الديمقراطية والحرية فإن هذا التعطش يتجذر في تربة الشعور الحاد بالعجز والتخلف حيث يمثل إعادة بناء السياسيات والتنظيم الاجتماعي نقطة الانطلاق لتحقيق النهضة ومجابهة واقع التجزئة.
إذا كانت مطالب الإصلاح والديمقراطية قد أصبحت البؤرة الأكثر جذباً للنشاط الثقافي والفكري في المنطقة، فإن هذا لا يجعل منها المحطة الأخيرة لرحلة النهوض التي يتطلع العرب إليها، فمن الواضح أن حالة طارئة تهز العالم العربي وتدفعه للخروج من انطوائه وانغلاقه الثقافي، حيث لم تعد هذه العملية مقتصرة على نخب كانت بدورها تعيش منطوية على نفسها، بل تعدته إلى نطاقات أوسع، حتى وإن كان الحراك السياسي وتبلور وعي التغيير لايزال أكثر تكثيفاً في دوائر هذه البنى التقليدية إلا أنه يؤذن بتجمع تيار تاريخي فاعل في اتجاه هذا التغيير.
وعلى الرغم من أن النخب الفاعلة قد تبادلت مواقعها فثمة قناعات متزايدة يتقاسمها الجميع منبعثة في إطار البنى الاقتصادية والاجتماعية المتوثبة التي أصبحت جديرة بترجمة نفسها عبر ازدهار اقتصادي واجتماعي ومعرفي، إذا ما تحقق تعميم الاختيار الحر وإشادة التنظيم المجتمعي في بوتقة أفكار تتخطى الجهاز الإداري إلى المؤسسة ذاتية التوليد والانقياد.
ما ينبغي تأكيده هنا هو أن المطلب الحداثي رغم مكتسباته المتزايدة لا يهيمن بصورة مطلقة، ذلك أن الهواجس المتصلة بالهوية الثقافية والقومية التي تجابه تهديداً جدياً لا يشغل هامشاً ضئيلاً من الهم العربي، كما قد يوحي المشهد العام للممثلين النشطين على خشبة المسرح، فالفئات العريضة مازالت تضع المسائل الثقافية وقضايا الهوية في مقدمة همومها، ولا يزال حلمها في تشكيل إطارات قابلة للحياة والازدهار وقادرة على تجسيد طموحات مشتركة على اتساع الرقعة العربية الواسعة، لا يزال هذا الحلم صامداً وسط المعاناة ومظاهر الفشل.
إن الحظوة المتزايدة لاجتراح صياغات قادرة على استيعاب التوازن بين مطالب التحديث والمسألة الثقافية، تعبِّر بوضوح عن عزوف الأغلبية عن تبني نماذج أنجزتها تجارب ثقافية أخرى، وقد تنطوي هذه الظواهر على محاذير تتعلق بالتجارب التوفيقية الفاشلة، ولكنها دون شك تختلف في طبيعة القوى الحاملة لها، فهذه القوى الطليعية أصبحت تدرك بأن رؤى التحديث السياسي والمؤسسي يجب أن تعبِّر عن شروط التنمية والتطوير الاجتماعي والاقتصادي، وهي لن تكون قادرة على الاضطلاع بدورها دون أن يتاح للمجتمع أن ينظم نفسه وفق قراراته الحرة، لكي لا تصبح مبادرات التحديث برسم المصادرة لتقنيع الدكتاتوريات الفاسدة، والذاكرة العربية ليست حافلة بشيء مثل البرلمانات التي تصدح بأناشيد الزعيم الذي تكسف أنواره وجه الشمس، بيد أن هواجس الوقوع في شراك الصيغ التلفيقية أو التوفيقية لا يعزز الاتجاه لتقبل نماذج تنظيمية جاهزة، ولكنه في الواقع مظهر لحاجة القوى الطليعة الاقتصادية والفكرية لتجاوز هذه الإشكالية التي كثيراً ما سدت أمامها آفاق النمو، فلقد كان تبلور هذه الطلائع وظهورها كفاعل مستقل في إنتاج الثروة هو الانعطاف الحاسم في تراكم القناعة بالحاجة إلى إعادة التنظيم، على مستوى المؤسسات المولجة بإدارة المجتمع ومنظومات القوانين التي تتحرك في كنفها.
هذه الفئات وجدت نفسها محجوزة بل ومشلولة أحياناً عن المضي في طريقها لمضاعفة منجزاتها، وفي أنحاء مختلفة من العالم العربي والإسلامي أصبحت النبتة الهشة عرضة للذبول، إزاء التعارض الحاد بين أهدافها وضرورات البقاء للسلطات المتفردة والتي تمثل مصالح مناقضة، تدعمها آليات إدارية ونظامية تحدر معظمها من العهد الزراعي والرعوي أحياناً، ولقد شعرت الشعوب الراضخة لأحكام عسكرية متلبسة بثورية زائفة، بأن طموحها في التحرر القومي قد تمت مصادرته، وأن المزاعم الثورية لم تفعل إلا في تعميق الفقر الذي أخذ يزحف على أطراف الطبقة الوسطى ويبتلعها، حيث يصبح القرب من السلطة وحده مصدراً للنجاح والثروة وبديلاً عن الكفاءة والجهد.
إن هذه العوامل التي تتفاعل بقوة على خلفية الاقتناع بأن الطموحات القومية لن تزدهر في تربية الفقر المعرفي والمعيشي هي ما يحرك الواقع العربي ويمسك بدفته.
إنه من الواضح بأن أواصر التقارب آخذة في الرسوخ بين الفئات الفاعلة على الصعيد الاقتصادي وشبيهتها في الحقل الثقافي، وإن هذا التقارب هو الذي يدفع بخيارات التغير، مسنوداً باتجاه عالمي شامل ليس في وسع أحد أن يحتكره، لأن انبعاثه وتلقائيته كامنان في تحول كوكبي يكاد يكون نهائياً، من انتشار التعليم وتدني معدلات الولادة المدفوعين بتلهف متأجج لتحسين المعيشة.
حدث ذلك في أوروبا، حيث لم يكن لفكرة الديمقراطية الناشئة الغامضة في أذهان (التنويريين) أن تزدهر، لو أنها لم تلتق بحليفتها البرجوازية في زحفها المظفر على الإقطاع والتسلط الكنسي وادعائيات الملك المقدس.
ولقد استعاد التاريخ هذا المشهد بسقوط النازية والفاشية في ألمانيا وإيطاليا وهزيمة العسكرتارية اليابانية، ثم تكرر في كوريا الجنوبية وتايوان وها هو يترى أمام أنظارنا في روسيا التي أخذت تنهض على قدميها بعد كبوتها المذهلة.
ليس ما يجري سوى تفاعل وتطهير لحراك داخلي مرتبط بالنمو في مستوياته المختلفة، وقد تسفر مصادرته وتجييره لصالح أجندة غيره عن نتائج كارثية تودي بالعملية الإصلاحية المرجوة.
بيد أن هذا الذي يجري سيظل هامشياً عائماً على طوفان السجال، إذا لم ينهض في كنف التنظيم الاجتماعي المؤسسي، فلن يحوز النظام الديموقراطي التمثيلي استحقاقاته إلا بعد أن يتمثل المجتمع نفسه، وتعكس اجتهاداته وعيه لذاته، وفي إطار ذلك فقط تصبح الإجرائية الديمقراطية ابنة شرعية لبيئتها الثقافية والإنسانية، وإلا كانت مظهراً مجوفاً من داخله وإن كان لامعاً ومزوقاً في خارجه.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.