مركز الملك سلمان للإغاثة يسلّم الدفعة الثالثة من المساعدات الطبية لمواجهة فيروس كورونا المستجد لوزارة الصحة اليمنية    "الأرصاد" : رياح سطحية مثيرة للأتربة والغبار على منطقة حائل    وزارة الصحة الكويتية تعلن عن تسجل 723 إصابة جديدة بفيروس كورونا " كوفيد - 19"    شباب مجموعة العشرين يؤكدون أهمية التعليم وتسخير التقنية الحديثة لإبراز صوت الشباب    ضُبط بحوزتهما نصف مليون دولار.. شرطة الرياض: الإطاحة بمواطن ومقيم تورطا بالترويج لعملات مزيفة    فيديو.. أذان الجمعة في الحرمين الشريفين    خطباء المملكة توحدوا للحديث عن الإجراءات الاحترازية والوقائية لجائحة كورونا    “السعودية للكهرباء” تزيل تلوث زيتي بطول أكثر من 1500 متر على شاطئ “الشعيبة”    داود أوغلو: أردوغان معزول.. وحزبه ينهار    "حساب المواطن" يعلق على ما تم تداوله بشأن توجيه مبلغ الدعم للمُشتريات فقط    أمير الشمالية يطلق مشروع إعادة توطين نبات "الروثة"    سعر نفط خام القياس العالمي يرتفع بنسبة 0.7 %    السعودية تتصدر مانحي اليمن ب500 مليون دولار    أمانة المدينة تغلق وتغرم 120 منشأة تجارية مخالفة    منظمة الصحة العالمية ترحب بجمع 8,8 مليارات دولار لتمويل لقاحات الأمراض المعدية    القيادة تهنئ ملك السويد بذكرى اليوم الوطني لبلاده    وفيات كورونا في الولايات المتحدة تتجاوز 108 آلاف حالة    بسبب زيادة الحمولة.. غرق سفينة إيرانية في مدخل ميناء عراقي    أمانة الجوف تُنهي أعمال تطوير مرافق منتزة النخيل بسكاكا    حكومة الوفاق الليبية تؤكد التزامها بمكافحة الإرهاب واستعدادها تعزيز التعاون مع التحالف الدولي    عشراوي: قضية فلسطين هي قضية أحرار العالم    حصة بنت سلمان.. رئيساً فخرياً للجمعية السعودية للمسؤولية المجتمعية    "تقويم التعليم": انتهاء تجربة الاختبار التحصيلي عن بُعد بنجاح    تشكيليون بنجران يسخرون أعمالهم الفنية للتوعية بالوقاية من كورونا    Google: الصين وإيران حاولتا قرصنة الحملات الانتخابية لترامب وبايدن    البورصة المصرية تربح 5ر25 مليار جنيه خلال تعاملات الأسبوع الماضي    أكثر من 27 ألف حالة وفاة بكورونا في إسبانيا    تحقيقات تكشف المثير: فساد منظم داخل الاتحاد الدولي لرفع الأثقال    تنبيه عاجل: أمطار رعدية وأتربة مثارة على منطقة المدينة المنورة    مدير صحة منطقة مكة المكرمة ينعي الأمير سعود بن عبدالله الفيصل    في رحلة ضاربة في عهود سالفة:    سفيان فيجولي    ريو فرديناند أفضل مدافع في تاريخ البريميرليج    تكتمل جاهزيته لاستقبال المرضى والمراجعين في الأول من يوليو المُقبل    في حوار خاص ل«آس آرابيا» المدربان الروماني والأوروجوياني    انطلق القطاع بتأسيس المتحف الوطني عام 1977    إحدى ساحات قصر الحكم    هذيان الحمدين    مات قبل أن يولد    أسعدوا من تحبون..!    محاكمة الإرهابي كورونا    إلغاء الدوري القرار الأصعب والأمثل    أمام «التجربة».. في حضرة «الخوجة»    «السجون»: عقد أكثر من 11 ألف جلسة محاكمة عن بعد للنزلاء والنزيلات    أرقام الأهلي لا تكذب    خدمة عربية تتيح صناعة مقاطع الفيديو دون الحاجة لأي تطبيق (فيديو)    تخصيص خطبة الجمعة للإجراءات الاحترازية    فنون أبها تنظم أمسية عن الابداع في العزلة    وفاة الأمير سعود بن عبدالله ابن فيصل بن عبدالعزيز    النيابة العامة تأمر بالقبض على شخص ادعى تسجيل حالات كورونا لغير المصابين بالفيروس    في 24 ساعة .. تسجيل 60 حالة حرجة جديدة جراء إصابتهم بفيروس كورونا    الهيئة الملكية لمحافظة العلا تشرف على عملية تطوير بيئي واسعة النطاق لإعادة التوازن الطبيعي في محمية شرعان    بطل عالمية "ساتاگ20" في حوار خاص مع "الرؤية الدولية"    بتوجيه أمير عسير :محافظ أحد رفيدة يُعايد عمال النظافة    الديوان الملكي يعلن وفاة الأمير سعود بن عبدالله والصلاة عليه غدا الجمعة    «البيئة» تحتفي بيومها العالمي.. وتؤكد أهمية «التنوع الأحيائي»    أمير منطقة مكة المكرمة مقدماً شكره وعرفانه لخادم الحرمين وولي عهده    أمير تبوك يدشن مشروعين لأمانة المنطقة بقيمة تتجاوز ال174 مليون ريال    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





نُخبة وجمهور
نشر في الرياض يوم 02 - 05 - 2012

لا أعرف معنًى لتقسيم الثَّقافة إلى ثقافة نخبة وثقافة جماهير، ولستُ أتبيَّن غاية لذلك. ونحن نسوق كثيرًا مِنَ الكلم دون أنْ نُديم التَّأمّل والنَّظر في معانيها، ودون أنْ نستقصي مآلاتها، وشاعتْ في حياتنا تلك الثّنائيَّات التي تَقْسم النَّاس والفِكْر إلى فِسْطاطين، فهذه ثقافة نخبة وتلك ثقافة جماهير، ويذمّ أحدنا النّخبة وينال الآخَر مِنَ الجماهير، ويَشْحب وجه الثَّقافة في هذا الرَّغام، ونمضي إلى شؤوننا وكأنَّنا أشبعنا القضيَّة التي ندبْنا أنفسنا لها فحصًا وتفتيشًا.
الثَّقافة قيمة تُضاف إلى الإنسان، وعساها في جِذْرها اللُّغويّ تُنْبِئ عنْ معنًى اجتماعيّ مستكِنّ فيها، فهي تَصْنعه على عينها، ليصبح كائنًا اجتماعيًّا. والثَّقافة، بهذا الفهم، تخرج عن الفِطْرة التي جُبِل عليها الإنسان، وفيها فَضْل قيمة على معناه، وكذلك الأخلاق، لأنَّها تَجُوز به خارج الطَّبيعة، وتَسْلكه في الجماعة الإنسانيَّة.
وأنتَ تجد امرءًا تستهويه الموسيقا، وآخر يستهويه الأدب أو النَّحْت أوْ ما شئتَ مِنْ ضُروب الفنون والآداب، يُلْفي فيها نفسه، ويَرْقَى بهذا اللَّون مِنَ الفنّ أوْ ذلك الضَّرْب مِنَ الأدب، لأنَّ الفنون والآداب فيهما ما في الدِّين مِنْ معاني الحقّ والخير والجمال، ولأنَّها سبيل الإنسان إلى الحرِّيَّة والأخْذ على أيدي الطّغاة والمستبدِّين، والذَّود عن المستضعفين في الأرض، يقول هذا الفيلسوف، ويقصده الأديب، وينادي به المصلحون، يخطب الإمام في مسجده، ويصدح الشَّاعر في قصيده، وكلاهما يَنشر أسمَى ما في الإنسانيَّة مِنْ معانٍ.
ويحلو لنفر مِنَ النَّاس أن يَغْمز المثقَّفين فيما انصرفوا إليه مِنْ شؤون الثَّقافة، فهم، عندهم، قوم أداروا ظهورهم للمجتمع، ولم يُوْلوه ما يستحقّه مِنَ النَّظر، ويَعيب آخرون عليهم أنَّهم لم يَحْشدوا حَوْلهم الأتباع والمريدين، ويُطْلَب مِنَ المثقَّف ومِنَ الأديب أن يُصْبحا مِنْ أشياخ الدِّين حتَّى يَتْبعهم النَّاس، وإنَّما شأن المثقَّف وشأن الأديب على هذه الأرض، أن يبحثا عنْ معنًى غير ناجزٍ، وأن يَدْفعا الاستبداد والظّلم بتقليب وجوه النَّظر في مسارب الحياة، وقدْ يصطدم الثَّقافة والأدب، وواجب عليهما ذلك الاصطدام، بما بَثَّه المتنفِّذون في عقول النَّاس مِنْ فهم واحد للدِّين والسِّياسة والوطنيَّة، والمثقَّف إنَّما سبيله أنْ يَبْعَث في عقول النَّاس أسئلة النَّقْد، وأن يطلب إليهم أنْ لا يَخْلدوا إلى ما أرادهم المتنفِّذون مِنْ أهل السِّياسة والدِّين أن يكونوا عليه. ويَستوي عِنْدي عالم الدِّين الذي يُبَصِّر مجتمعه بالحقيقة الغائبة والفقه الغائب، والأديب الذي نقرأ في فنّه نُزُوعًا إلى التَّغيير والتَّبديل، ويَسقط في ضمير الثَّقافة مَن اتَّخذ فضْل عقله أداةً لسلْب النَّاس عقولهم بتقبيح الجميل وتحسين القبيح، لا فرق في ذلك بين الأديب والخطيب والمصلح وعالم الدِّين.
ولا أدري ما الذي نَرْجوه للأديب حتَّى يَذيع أدبه في النَّاس؟ وإنَّي أقرأ وأسمع سُخْرًا مِنَ الأديب يعطي أدبه فضل عناية، ويُصْلح شأن لغته وأسلوبه، ويَرْقَى إلى ذُرَى الأدب، وكأنَّ في ذلك ما يَنْزل بأدبه عن درجته، ويُسقطه في عيون النَّاس، واللّغة ليستْ بمانعةٍ الأديبَ أن يَصِل أدبه بالنَّاس. إنَّ أحمد شوقيّ مكث مُدَّةً يَرْفع قصائده إلى سيِّد القصْر، وهي قصائد ارتفعتْ فنًّا، وارتقتْ أسلوبًا، وما ألِمَ نَقَدَة الكلام له، إلّا لأنَّه حَصَر نبوغه في مديح حاكم أَثِرٍ مستبِدّ، ولكنَّ شوقيًّا الذي تاه على شعراء عصْره بأنَّه شاعر البلاط، وقال:
شَاعِرُ الأَمِيرِ وَمَا بِالقَلِيلِ ذَا اللَّقَبُ!
هو شوقيّ الذي عَرَفَ أيّ أثر لشِعْره في النَّاس:
كَانَ شِعْرِي الغِنَاءَ فِي فَرَحِ الشَّرْقِ وَكَانَ البُكَاءَ فِي أَحْزَانِهْ
ولعلَّه احتال لفنِّه وهو الشَّاعر العظيم، أن يختم قصيدة باذخة له، افتخر فيها بالفراعين العِظَام، فقال:
زَمَانُ الفَرْدِ يَا فِرْعَوْنُ وَلَّى وَدَالَتْ دَوْلَةُ المُتَجَبِّرِينَا
وَأَصْبَحَتِ الرُّعَاةُ بِكُلِّ أَرْضٍ عَلَى حُكْمِ الرَّعِيَّةِ نَازِلِينَا
ثمَّ مضى لسبيله، وظنَّ ذوو السُّلْطان والقوَّة والأَيْد أنَّه عَنَى فرعون موسَى، وتغامَزَ العارفون بِمَضَايِق الشِّعْر حِين خُيِّل لهم أنَّ شوقيَّا إنَّما رامَ فرعونًا آخر يَعْرفه ويعْرفونه، اتَّخذ مِنْ قصْر عابدين مقامًا، وما نزل بفنّ شوقي ظنّ أولئك ولا أزرى به معرفة هؤلاء.
وعِنْد الفريقين وَفَى شوقيّ للفنّ ولجمهور الفنّ، ولم يَصْدعِ امرؤ بقول يدفع به ذلك الشَّاعر العظيم عنْ تلميذ يَحْسب شِعْره أنشودة يتلهَّى بها؛ ولا عنْ عاشق اصطحب حبيبته إلى حيث يسمع شِعْره مُنَغَّمًا مُلَحَّنًا؛ ولا عنْ امرئ ضاق بالاستبداد فوجد في شِعْر شوقيّ عزاءه، فوثب إذْ قرأ أوْ سَمِعَ قوله في مستبدٍّ أَثِرٍ، يُحَذِّره صَمْت الجماهير وصبرهم:
إِنْ مَلَكْتَ القُلُوبَ فَابْغِ رِضَاهَا فَلَهَا ثَوْرَةٌ وَفِيهَا مَضَاءُ
يَسْكُنُ الوَحْشُ لِلْوُثُوبِ مِنَ الأسْرِ فَكَيْفَ الخَلَائِقُ العُقَلَاءُ؟!
وحمزة شحاته يخبرنا التَّاريخ أنَّ الأدباء والمثقَّفين وعامَّة النَّاس ازدحمتْ بهم قاعة الإسعاف الخيريّ بمكَّة المكرَّمة في شهر ذي الحجَّة مِنْ سنة 1358ه، حِين بَلَغَهم أنَّ هذا الشَّابَّ الذي هَدَفَ إلى الثَّلاثين مِنْ عمره سيحاضر فيهم، ومكث يخطب خمس ساعات عن «الرُّجولة عماد الخلق الفاضل»، في مطارح مِنَ الفلسفة والأخلاق والتَّربية والاجتماع يصعب التَّهدِّي إليها، ولم يَسِفَّ في محاضرته، وما وَصَمَه النَّاس بأنَّه «نُخْبَوِيّ»، وما ضاق به العامَّة، وإنْ ضَيَّق عليه الممسكون بالأمور، واتَّقوا أثر شحاته في «الجماهير» بوسيلة السُّلطة السَّهلة: أغلقوا تلك القاعة وأريحونا منها، فما لجمعيَّة الإسعاف الخيريّ وللثَّقافة؟!
خيرٌ لنا أنْ لا نُنْفق أوقاتنا في الخِصَام والتَّنازُع بين «النُّخبة» و»الجماهير»، فالمثقَّف إنْ هو إلّا واحدٌ مِنْ هذه الجماهير، وخُصُومته التي قُدِّرَتْ عليه أن يَبْذُر النَّقْد والسُّؤال في ضمائر النَّاس، وأنْ لا يَلِين ولا يَستكين.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.