تكتسب مسودة "اللائحة التنفيذية لرسوم العقارات الشاغرة" والمطروحة للعموم لأبداء المرئيات، أهميتها من كونها تنتقل بالمعالجة التشريعية إلى مستوى تحقيق أثر مالي مباشر ينسجم مع فكرة أن العقار غير المستغل لا ينبغي أن يبقى خارج معادلة "العرض والطلب"؛ فاللائحة لا تتعامل مع حالة شغور العقارات بوصفه حالة عرضية، بل بوصفه سلوكاً اقتصادياً قد يفاقم ندرة المعروض ويرفع كلفة السكن والإيجار؛ ومن هذه الزاوية، فإن مجرد طرحها للنقاش العام يؤكد أن السوق العقارية لم تعد تدار بمنطق المصالح الضيقة، بل بمنطق الضبط والإفصاح والمساءلة. غير أن القراءة القانونية تكشف أن المسودة، رغم وجاهة مقصدها، ما تزال بحاجة إلى إحكام وتفصيل تشريعي أعمق؛ فتعريف الشغور -وإن بدا منضبطاً- يظل مرتبطاً بمعايير قابلة للتأويل، ولا سيما عند ربطه بانتفاء جميع معايير الشغور أو باستهلاك المنافع والخدمات، وهي مؤشرات قد تختلف دلالتها باختلاف طبيعة وظروف المبنى وموقعه واستعماله؛ كما أن اشتراط عدم الاستخدام لمدة ستة أشهر مع إمكانية تعديلها لاحقاً يثير تساؤلاً حول مدى كفاية هذه المدة كمعيار موحد لكل الأسواق وأنماط الوحدات العقارية؛ وتبرز كذلك ملاحظة تتصل بعبء الإثبات، إذ تمنح اللائحة الوزارة سلطات واسعة في المعاينة والتحقق دون أن ترسم معياراً دقيقاً لقرائن الإثبات في مواجهة المكلف، ولم تبين كيفية الفصل في الحالات التي تقع في المنطقة الرمادية ويختلط فيها الشغور الفعلي بأسباب تشغيلية أو فنية؛ كما أغفلت المسودة معالجة مسألة التحايل على الرسم عبر عقود إيجار صورية ونحو ذلك، ولم تضع ضوابط كافية للحد من ذلك؛ وكذلك خلت اللائحة من ربط تشريعي صريح بين حصيلة الرسوم ومشروعات الإسكان الميسر، مكتفية بإحالة أوجه الصرف إلى اتفاق لاحق مع وزارة المالية، وهو فراغ تشريعي قد يفضي إلى تبديد الأثر الاجتماعي المنشود من هذه اللائحة. وإلى جانب هذه الملاحظات، فإن تطبيق الرسم بصيغته الحالية قد يثير إشكالات تتصل بآثار التشريع على استقرار المعاملات العقارية وسلوك الاستثمار في التطوير العقاري، إذ قد يؤدي اتساع نطاق الخضوع للرسوم إلى تقييد المبادرة في بناء وحدات جديدة أو إعادة تأهيل القائم منها، مما قد يحد من مرونة السوق في استيعاب الطلب المتغير؛ كما أن تعدد إجراءات المعاينة والتحقق والتحصيل قد يفرز عبئاً إدارياً ويضاعف من فرص المنازعات النظامية بشأن إثبات حالة الشغور؛ والأصل في الضبط التشريعي ألا يفضي إلى تعطيل حركة السوق أو خلق مخاطر تنظيمية تؤثر على قرارات الاستثمار، بل أن يراعي الحدود التي تجعل من العقار جزءاً من منظومة العرض والطلب دون تقويض لوظيفته الاستثمارية أو العمرانية. ولكن مع هذه الملاحظات، تظل مسودة اللائحة تحمل قدراً من الإيجابية، فهي تؤسس لقاعدة بيانات أكثر انضباطاً، وتربط الرسم بالمعاينة والإفصاح، وتلزم بتكليف لجان فنية مؤهلة لتقدير أجرة المثل، وتعتمد مؤشرات قابلة للقياس لإخضاع المدن للرسم؛ كما أن اشتراط شهادة الإشغال وتحديد النطاقات الجغرافية يعكسان رغبة حقيقية في بناء تنظيم أكثر مهنية وشفافية؛ لذلك، فإن القيمة الحقيقية للائحة لن تتوقف على فرض الرسم بذاته، بل على مدى قدرتها على تحويل شغور العقارات من حالة سهلة الاستمرار إلى حالة مكشوفة ومكلفة.