تمثل ظاهرة تسلط بعض المديرين الأجانب في بيئات العمل الوطنية إشكالية تتجاوز كونها مجرد خلافات إدارية عابرة إلى كونها تهديداً حقيقياً لمنظومة التطوير المهني وبناء القدرات البشرية الوطنية، فحينما يجد المواطن المؤهل نفسه محاصراً ومقموعاً بممارسات إدارية تعسفية من قبل أجنبي أقل منه كفاءة أو نزاهة، فإن ذلك لا يعكس فقط فشلاً في تطبيق معايير الحوكمة، بل يشكل انتهاكاً صارخاً لمبادئ العدالة التنظيمية والاستثمار الأمثل في الكوادر الوطنية التي استثمرت الدولة -رعاها الله- في تأهيلها وتطويرها الكثير؛ والأخطر من ذلك أنه ربما تجد هذه الممارسات التعسفية غطاء ودعماً من مسؤول في موقع أعلى، مما يحول المؤسسة من كيان يخضع لمعايير الحوكمة والشفافية إلى ما يشبه الإقطاعية الإدارية التي تدار وفق مصالح شخصية ضيقة وتحالفات مصلحية تقوض الجهود المبذولة في سبيل إيجاد بيئات عمل صحية ومحفزة وعادلة. إن مواجهة هذه الإشكالية تستلزم إدراكاً عميقاً بأن المشكلة لا تكمن في جنسية المدير بقدر ما تكمن في غياب الآليات الرقابية الفاعلة للإنصاف والمعايير الصارمة في اختيار القيادات الإدارية وتقييم أدائها بشكل دوري وموضوعي؛ فوجود المديرين الأجانب في المؤسسات الوطنية يجب أن يكون مبرراً بحاجة فعلية لخبرات نوعية متخصصة، وأن يكون دورهم محدداً بنقل المعرفة وتطوير الكفاءات الوطنية وإحلالها، وليس احتكار المناصب واستنزاف الفرص الوظيفية بتوزيعها وفق علاقات شخصية ومصلحية على حساب الكفاءات الوطنية؛ كما أن مجالس الإدارات في المؤسسات والأجهزة الحكومية والشركات التابعة لها تتحمل مسؤولية كبرى في ضمان تطبيق معايير الحوكمة وممارسة الرقابة الاستباقية على الإدارات التنفيذية؛ ومن الأهمية بمكان التأكيد على ألا تكون الحوكمة في هذه المؤسسات صورية، بل يجب أن تؤدي دورها الحقيقي بالبحث والتقصي الجاد عن أي ممارسات مخالفة وإنصاف المواطن المتضرر، لأن استمرار ممارسة الحوكمة بشكل شكلي يعني تمكين المتسلطين من الاستمرار في ممارساتهم دون رادع حقيقي، مما قد يحول دون كشف التحالفات المصلحية التي قد تربط بين المدير الأجنبي ومن يغطي على ممارساته من داخل المنظومة الإدارية نفسها، وهذا يحمل رسالة خطيرة بازدواجية الخطاب القانوني مما يقوض مصداقية المنظومة ذاتها. إن المواطنين الذين يجدون أنفسهم ضحايا لهذه الممارسات التعسفية يستحقون أن تفتح أمامهم قنوات آمنة وفاعلة للشكوى والتظلم والمعالجة الناجعة، وأن تكون الجهات الرقابية المستقلة على أتم الاستعداد للتحقيق الجاد في شكاواهم وإنصافهم متى ثبتت صحتها، دون أن يتهموا ظلماً بالعجز أو ضعف الكفاءة لمجرد عدم انسجامهم مع منظومة إدارية قائمة على الفساد أو سوء الإدارة؛ فالحقيقة الصارخة أن استمرار تسلط بعض المديرين الأجانب بحماية ودعم من داخل المنظومة نفسها يشكل هدراً خطيراً للاستثمارات الضخمة التي وضعتها الدولة في التعليم والتأهيل، ويعيق تحقيق الأهداف الطموحة لرؤية الوطن الواعدة في بناء اقتصاد قائم على المعرفة والكفاءات الوطنية المتميزة، ويجعل مهمة الإصلاح تتطلب تدخلاً حازماً من أعلى مستويات الرقابة لفك هذه الشبكات وإعادة الأمور إلى نصابها.