ركزت معظم التعليقات حيال توجه جامعة الملك سعود لتنفيذ إعادة هيكلتها في الجانب الأكاديمي؛ بإلغاء او إيقاف بعض الكليات والبرامج الدراسية، وخاصة في المجالات الإنسانية والزراعية على جوانب عدة منها أهمية تلك التخصصات، وان الحصول على المعرفة حق لكل راغب، فيما ركزت أخرى على احتياجات سوق العمل، ومكانة الجامعة وسمعتها العلمية، هذه التعليقات تناولت موضوع متداخل وشائك؛ فجميع التخصصات مهمة ومنها الإنسانية، كذلك مواءمة مخرجات الجامعة لاحتياجات سوق العمل أساس لتحقيق أهداف الموار البشرية، وبالمثل فإن تحقيق الريادة العالمية والتميز العلمي هدف استراتيجي لرؤية القيادة السعودية وللجامعة، الذي يتطلب دعم الجامعة كونها تخوض تنافسية شرسة مع جامعات عريقة ورائدة " أن تكون جامعة الملك سعود ضمن افضل 10 جامعات في العالم" ان خوض التنافسية يتطلب رشاقة إدارية وأكاديمية بالتركيز على مجالات التميز او تلك التي تلوح معها فرص تحقيق التميز والريادة، ونقل مجالات أخرى إلى جامعات لديها فرصة أكبر للتميز في تلك المجالات. اقتصار التعليم الجامعي المتميز على جامعة ما ربما يجعل منسوبيها يفخرون بجامعتهم ويسعدون بسمعتها العلمية ولكنه ايضاً يلقي على قياداتها ومنسوبيها حملاً ثقيلاً لتقديم كل المجالات والتخصصات بتميز وهذا ما لا تستطيعه حتى الجامعات الريادية (أتذكر في إحدى الاجتماعات -قبل حوالي 15 عاماً- مع رئيس الجامعة، عندما اقترح عليه أحد الحاضرين تحويل قسم اللغة العربية إلى كلية للغة العربية؛ فأجاب بحزم: جامعة الملك سعود لديها خطة استراتيجية حددت مجالات التميز ولن تنافس جامعة الإمام محمد بن سعود في مجال تميزت هي به من عشرات السنين" هذا يشير إلى توجه الجامعة منذ ذلك الوقت وليس وليد اليوم، وهو ينال أهمية وأولوية أكثر من موضوع التخصص وسوق العمل، فمخرجات بعض الكليات مثل العلوم وطب الأسنان والصيدلة ربما تواجه صعوبات في سوق العمل. ان وصف القرار بأنه مفاجئ هو وصف غير دقيق، بل ربما يصفه آخرون بأنه بطيء أو تأخر كثيراً، والشواهد على ذلك أيضا عديدة ومنها ان الجامعة في عام 1435ه أجرت دراسة موسعة لإعادة هيكلة الجامعة، تم تنفيذ توصياتها في الجانب الإداري، فيما بقي الجانب الأكاديمي يواجه تحديات تشريعية وتنظيمية ومقاومة تغيير في جوانب عدة، وقبل أكثر من 5 سنوات صدر نظام الجامعات، وأصبحت جامعة الملك سعود مستقلة، وتم إيقاف معظم برامج البكالوريوس في كلية التربية، كل هذا وغيره يشير إلى حدوث مخاض طويل في طريق جامعة الملك سعود نحو تحقيق التميز والريادة، وامتلاك قدرة على خوض التنافسية بشكل مستدام. ختاماً، مع أن هيكلة الجامعات أصبحت تتوجه نحو البرامج الأكاديمية عوضاً عن الأقسام والكليات، وإلى المكاتب والوحدات الاشرافية والتنفيذية عوضاً عن العمادات، تحقيقاً لكفاءة الإنفاق، وأكثر قدرة على استقطاب المتميزين، واستثماراً للموارد، إلا ان هذا التوجه لم يتبلور بعد بصورة واضحة في جامعاتنا، ربما يكون من المفيد التفكير في جدواه في المرحلة الحالية والمستقبلية. ايضاً نرى أهمية ان تكون الهيكلة للجامعات الجديدة وإعادة الهيكلة للجامعات القائمة بالتوازي مع إعادة هيكلة سوق العمل فكلاهما مؤثر في الآخر. لعل من المفيد ان انوه إلى ان هذه السطور تحاول الموضوعية ما استطاعت؛ فكاتبها من منسوبي كلية التربية، كتبت باستلهام التخصص في إدارة التعليم العالي، وبالمناسبة لدي طالب دكتوراه يعمل حالياً على انجاز رسالته العلمية عن مسرعات تحول جامعة الملك سعود نحو الريادة العالمية، ومن ضمن ادواته العلمية مقابلة موجهة لقيادات الجامعة والجهات ذات العلاقة، تناول السؤال الأول منها إعادة هيكلة الجامعة وتفرع عنه سؤال: هل الجامعة بحاجة إلى قرار أكثر جرأة لتسريع عمليات التحول المستهدفة فيما يتعلق بإعادة الهيكلة الأكاديمية تحديداً؟ وأخيراً نأمل ونتفاءل ان تكون جميع القرارات فيما يعود بالنفع على بلادنا وتعليمنا وان نرى جامعتنا بمخرجاتها تنافس عالمياً. * أستاذ إدارة التعليم العالي الساعد قسم الإدارة التربوية- جامعة الملك سعود