أصبح الذكاء الاصطناعي اليوم جزءاً لا يتجزأ من تفاصيل حياتنا اليومية، إذ نعتمد عليه في العمل والتواصل والتنقل، بل وحتى في اتخاذ قرارات بسيطة. ومع هذا الانتشار الواسع، بات الوصول إلى المعلومات أسرع وأكثر كفاءة، ما أسهم في توفير الوقت وتحسين جودة الحياة بشكل ملحوظ. فالتطبيقات الذكية تحولت إلى مساعد يومي يعتمد عليه المستخدم في إدارة شؤونه المختلفة. غير أن هذا الاعتماد المتزايد لا يخلو من تحديات، إذ تقوم هذه التقنيات في جوهرها على جمع البيانات وتحليلها بشكل مستمر. فعلى سبيل المثال، تعمل تطبيقات الملاحة (الخرائط) على تتبع المواقع وأنماط الحركة لتقديم أفضل المسارات للمستخدم، في حين تقوم منصات التواصل الاجتماعي بتحليل تفاعلات المستخدم لفهم اهتماماته وتوجيه المحتوى بما يتناسب معها. كما تعتمد أدوات الذكاء الاصطناعي التفاعلية مثل: شات جي بي تي (ChatGPT) على مدخلات المستخدم ومحادثاته معها، وهو ما يعني أن البيانات وإن بدت بسيطة تتراكم لتشكل صورة أوسع وأكثر دقة عن سلوك المستخدم واهتماماته وتفاصيل حياته. ومن هنا تبرز فئة أكثر حساسية في تعاملها مع هذه التقنيات، كالمسؤولين السياسيين والدبلوماسيين والعاملين في القطاعات الأمنية والعسكرية، حيث لا تقتصر البيانات لديهم على معلومات عادية، بل قد تحمل أبعاداً استراتيجية أو سياسية. وبالتالي فإن أي استخدام غير محسوب قد يفتح المجال لتحليل هذه البيانات وربطها بصورة أوسع مع بعضها البعض، بحيث تكشف طبيعة عمل المستخدم وأنماط التفكير لديه وحتى توجهاته العامة. وفي ظل التوترات الإقليمية الراهنة، تزايدت المخاوف المرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعي في السياقات الأمنية، حيث تداولت بعض المنصات الإعلامية تقارير تشير إلى احتمال استخدام هذه التقنيات في دعم أنشطة استخباراتية ضمن سياق الصراع الإيراني–الإسرائيلي، بما في ذلك تحليل البيانات الضخمة، ومراقبة الشخصيات السياسية والعسكرية، وتتبع تحركاتهم، بل وحتى المساعدة في تحديد واستهداف بعض القيادات. ورغم خطورة هذه الطروحات، فإنها لا تزال ضمن ما يُتداول إعلاميًا دون تأكيدات رسمية قاطعة، إلا أنها تعكس حجم القلق المتزايد من توظيف البيانات والتقنيات الذكية في مجالات تمس أمن الدولة وامن مؤسساتها. وتبرز أهمية الوعي في استخدام هذه التقنيات، خاصة عند التعامل مع معلومات خاصة أو ذات طابع سري. كما يمكن الحد من بعض المخاطر عبر استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي التي تعمل دون اتصال بالإنترنت (Offline)، حيث تتم معالجة البيانات داخل الجهاز نفسه دون إرسالها إلى خوادم خارجية، ما يقلل من احتمالات التسريب أو الاختراق. ومع ذلك، لا يمكن تجاهل الفوائد الكبيرة التي يقدمها الذكاء الاصطناعي، فهو يسهم في تطوير حياتنا في مختلف المجالات، وبالتالي فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في الابتعاد عنه بل في كيفية استخدامه بحذر وتوازن.