لم يعُد الحديث عن "خريف القارة العجوز" مجرّد استعارة شاعرية، بل غدا حاضرًا في الدراسات والنقاشات الأوروبية بوصفه حُكمًا واقعًا على حالة احتضار جيوسياسي لقارةٍ صاغت مصير العالم لقرون، ثم أصبحت اليوم في وضع "التقاعد التاريخي" تحت وطأة العجز الجيوسياسي. وهو مشهد سريالي عجيب؛ حيث نرى كيف تتحول العواصم الأوروبية التي كانت تمنح صكوك السيادة لشعوب العالم إلى كياناتٍ تبحث عن موطئ قدمٍ في ظل الأزمات العالمية مكتفية بالشجب والقلق والاستنكار حتى فيما يمسّ مصالحها الحيوية الباقية. وربما يصح القول هنا، إن أوروبا غدت "رهينة" العالم الجديد، بين تجاذب طموحات القوى الصاعدة، وطحن أزماتها الهيكلية، بعد أن تثلّم "السيف الاستعماري" الذي طالما قطّعت به أوروبا أوصال القيود والحدود الدولية ردحًا من الزمن. وهذه ليست مبالغة، بل قراءة واقعية للراهن الأوروبي والتراجع الدراماتيكي في قُدرات "الخماسي الأوروبي الكبير" (بريطانيا، ألمانيا، فرنسا، إيطاليا، إسبانيا) على النهوض بدوره في الحاضر والمستقبل الوطني والدولي. هنا، نرى لندن وباريس وبرلين، "قاطرة الروح الأوروبية"، تغرق اليوم في دوائر العجز البنيوي؛ حيث تُمزق فرنسا انقساماتٌ هوياتية تُفقدها تماسكها الداخلي وبريقها العالمي، بينما تندب ألمانيا -قلب أوروبا الصناعي- حظّها بعدما اهتزّ نموذجها القائم على "الأمان الأميركي والغاز الروسي" ناهيك عن تحديات إدارة ما بين شقي رحى: الحاجة الماسة لمليون مهاجر سنويًا للحفاظ على مصانعها، والمعارضة الشعبية للهجرة خوفًا من ذوبان "الخصوصية الجرمانية". ثم تأتي لندن، التي ظنت أن "الخروج الكبير" (Brexit) سيعيد لها أمجاد الماضي، فإذ بها تستفيق على حالها "جزيرة تحدّث نفسها" وتلهث خلف اتفاقياتٍ تجارية، مكتفيةً بدورها السياسي الحذِر وراء الأبواب. أما في الجنوب، فتترنّح روما مع ديونها الثقيلة، بينما تبرز مدريد كمُصدِّر صاخب للشعارات لا صانع للسياسات، ما جعل القرار الإستراتيجي الأوروبي برمته رهيناً لتوافقات وحسابات تغمر الأزمات في الطين وترحّلها من حزب إلى آخر. وإذا تمعّنا فيما يقول التاريخ بأن الدول لا تنهزم بالمعارك وانكماش الاقتصاد فقط، بل حين تقع في "الشرك الديموغرافي" فهذا هو ما استدرجت أوروبا نفسها إليه في السياسات والممارسات. إذ إن ما تشهده أوروبا اليوم من "عجز بيولوجي" صامت؛ جعل معظم دولها ترزح تحت وطأة "شتاء ديموغرافي" بلا شباب يُجدّد ويبتكر، حتى تحوّلت مدنهما العريقة إلى ما يشبه "متاحف حية" يقطنها الكهول ويتجوّل في شوارعها المهاجرون من كل ملّة ولون. نعم، هذه أوروبا التي كانت في القرن التاسع عشر "خزان البشرية"، بيد أنّ وضعها الراهن جعلها أيضًا تواجه "العجز الابتكاري"؛ فأوروبا التي تفتخر بمنظوماتها الرقابية التشريعية إنما تمارس الانكفاء وراء "بيروقراطية الخوف والوقاية"، مكتفيةً بدور "الرقيب المشرّع" لتقنيات المستقبل التي يبتكرها الآخرون. بيد أنّ قائلًا قد يزعم بأن دول أوروبا لا تزال تمثل أضخم كتلة اقتصادية، وأن "نموذجها الاجتماعي" يظل حلم البشرية الأسمى. غير أنّ هذا الطرح يغفل حقيقةً ساطعة في فلسفة القوة؛ وهي أن "الثروة بلا مخالب" تصبح مجرد رهينة بيد الآخرين، ناهيك عن مقومات هذه الثروة. وهذا الحال هو ما جعل أوروبا اليوم تعيش "انفصامًا" بين طموحاتها وقدراتها الفعلية، لتصبح "لاعبًا ثانويًا" في الأزمات الدولية عاجزةً حتى عن تأمين خطوط إمدادها وفرض أهم احتياجاتها. وخلاصة القول: إن هذه القارة التي علّمت العالم "الحداثة" غدت اليوم عاجزةً عن تحديث شروط بقائها، لتبقى حقيقة مرة وهي أن شمس أوروبا قد تغيب ليس بسبب مؤامرات خارجية، بل لأن "وقودها الذاتي" قد نضب، ولم يعد لديها ما يفرض حضورها في نادي القوة. ويبدو أن الأوروبيين في مآل أمرهم سيفقدون حتى "حق الكلام" في صياغة النظام العالمي الجديد، ولن يُستأذنوا وهم شهود، وقد يُقضى الأمر حين يغيبُون أو يحضرون. * قال ومضى: قال التاريخ: هكذا حال الدول، حين يدنو غروبها لا يؤجله هروبها.