هذه الحرب هي اختبار حقيقي للنظام الدولي بمعطياته الجديدة، ونهاية هذه الحرب لن تحدث إلا من خلال إعلان قادم لمعايير التوازن الدولي، فالأقطاب الكبرى أصبحت مستعدة وأقرب إلى الحوار من أجل حصصها الدولية في ميزان القوى، وهذه الحرب هي الفرصة الأكثر ظهورًا لتحديد الصورة النهائية للأقطاب الدولية القادمة.. متى وكيف ستنتهي هذه الحرب؟ سؤال جوهري يبحث عنه الجميع، بجانب أسئلة كثيرة تتعلق بأطراف الحرب وقدرتهم على إدارة ورقة الصراع بطريقة تنهي الحرب ولو بشكل تدريجي طويل المدى، ولكن لا يمكن أن يحدث ذلك لمجرد إعلان انتهاء الحرب التي انتقلت اليوم فعلياً عبر المفاوضات من مسار تطورات الحرب إلى مسار يعمل على إدارة هذه الحرب ومحاولة التحكم بمعطياتها، التحول الجوهري خلال المرحلة الحالية في هذه الحرب هو انتقالها من مرحلة التهديد الأقصى إلى مرحلة التفاوض المفتوح والذي يتم برعاية أطراف دولية كبرى تعمل على بحث الأسباب ومراجعتها والاستفادة من ظروفها وتخفيف التصعيد الذي يمثل التحدي الأكبر ليس للمنطقة؛ ولكن للعالم كله. لكي تتوقف هذه الحرب فهناك شرط أساس يتم عبر مسار دبلوماسي شامل تتقدمه فكرة إنهاء الحرب والوقف المباشر لإطلاق النار ومنع اتساع رقعة الصراع في المنطقة التي تمر بمنعطف مقلق، فهذه الحرب تجاوزت التقاليد المعتادة في الحروب الثنائية من حيث الجغرافيا، فللمرة الأولى تشهد منطقة الخليج محاولات متكررة هدفها إدخال المنطقة في فوضى حرب إقليمية كبرى لا يمكن مستقبلا التحقق من أبعادها ونتائجها. تحديات هذه الحرب هي قدرتها المفاجئة على تحويل معطياتها إلى أوراق تفاوضية معقدة، فالممرات البحرية في الخليج ونقل الطاقة والتوازن العكسري في المنطقة جميعها أصبحت على قائمة أدوات هذه الحرب، ولعل الخطورة الأكبر تكمن في تحول الحرب إلى معادلة دولية تخص الطاقة والإنتاج والتصدير والاقتصاد العالمي، هذه الحرب مثال مختلف عن كل الحروب، فاثنان من أطرافها بعيدان عنها جغرافيًا هما إسرائيل وأميركا، أما الطرف الثالث إيران فهي تهاجم جيرانها في سلوك عسكري لم يجد تفسيرا واضحا للمنطقة حتى أصبحت السيناريوهات مفتوحة بلا استثناء، وأصبح البحث عن إجابة للأسئلة خلف الهجمات الإيرانية على الخليج مسارا طويلا من اللا نهاية، والمثير للدهشة هو انتشار نظريات المؤامرة التي أسهمت فعليا في خلط الأوراق وعدم القدرة على تحديد من هم أطراف الحرب وكيف تدار هذه الحرب ولصالح من؟ السؤال الجوهري الآن هو: هل نحن فعليا أمام سيناريو نهاية الحرب أم أننا ندخل مرحلة جديدة من تناثر الأدوار وتوزيع المهام إقليميا ودولياً؟ المساحة الجغرافية للحرب ضيقة ولكنها مع ذلك قادرة على إحداث انفجار هائل في المنطقة والعالم إذا لم تتم السيطرة عليها، هذه الحرب من النوع السام جدا على المستوى الدولي والخليجي، ففي حال استمرارها ستكون قادرة على تحويل مسرح الحرب إلى ثقب أسود يلتهم المعطيات من حوله وخاصة أن نتيجة هذه الحرب اليوم افتقدت إلى فكرة الحسم السريع وتحولت إلى حالة سيلان وفرص كبرى لتوسيع المواجهة في مساحات جغرافية جديدة في المنطقة. هذه الحرب جديدة في رسم حدودها ومختلفة في تحديد نتائجها والمتداخلين فيها، فأميركا فاجأت العالم بتكرار الهدنة بعد أن كانت تفترض الحسم السريع والمباشر، وإيران غيرت مفاهيم حسن الجوار بهجومها غير المبرر على جيرانها الخليجيين رغم محاولة دول الخليج الإشارة إلى أنها لن تكون طرفا في هذه الحرب وأنها تمتلك المرونة الكافية لتقدير الموقف في هذه الحرب، دول الخليج تجنبت الاضطرار لممارسة موقف منتمٍ في هذه الحرب والوقوف مع طرف دون آخر، لأن ذلك سوف يؤدي وبشكل مباشر إلى فقدان السيطرة على مسار الأحداث بشكل يضر مباشرة بمصالح الخليج ويبعدها عن البحث عن مسار الحل الدبلوماسي. بين انتهاء الحرب وبين إمكانية أن تتحول الهدنة إلى توقف هش تكمن الأسئلة الجوهرية حول أميركا التي تتغير في مواقفها وحسمها، وبين إسرائيل المتعطشة إلى استمرار مشهد الصراع دون توقف، في مقابل الصين التي تبحث عن دور استراتيجي في المنطقة يعيد التوازن الدولي إلى واقعه الذي فقد منه خلال السنوات الماضية، هذه الحرب هي اختبار حقيقي للنظام الدولي بمعطياته الجديدة، ونهاية هذه الحرب لن تحدث إلا من خلال إعلان قادم لمعايير التوازن الدولي، فالأقطاب الكبرى أصبحت مستعدة وأقرب إلى الحوار من أجل حصصها الدولية في ميزان القوى، وهذه الحرب هي الفرصة الأكثر ظهورا لتحديد الصورة النهائية للأقطاب الدولية القادمة.