هل توجد ثقافة مهنية واحدة للعمارة في المملكة، أم أننا أمام تعددية ثقافية تتوزع حسب المناطق والمؤسسات؟ سؤال يبدو بسيطاً في ظاهره لكنه في عمقه يكشف عن تعقيد كبير؛ فاختلاف المدن واختلاف السياقات الاقتصادية والاجتماعية لا بد أن ينعكس على طريقة ممارسة العمارة وعلى فهمها وعلى إنتاجها.. ليست العمارة مجرد بناء يُقام ولا رسومات تنجز، بل هي ممارسة إنسانية مركبة تتجاوز ظاهرها المادي إلى عوالم غير مرئية من المعاني والتفاعلات. فهي، مثلها مثل كل مهنة أصيلة، تحمل في داخلها ثقافتها الخاصة، بل وتخفي ما يمكن تسميته ب"شيفراتها" التي لا تُقرأ بسهولة ولا تفك رموزها إلا لمن عاش داخلها وتمرّس في تفاصيلها اليومية. هذه الشيفرات لا تُكتب في الأنظمة ولا تُدرّس في القاعات، بل تتشكل بصمت عبر الزمن، وتتراكم من خلال الاحتكاك، والممارسة، والتجربة المشتركة. التعليقات التي وصلتني حول المقال السابق تؤكد أن "اللغة الصامتة" هي جزء أساسي من أي مهنة وهي تتشكل لتمثل ثقافة خاصة لا يمكن تجاهلها. إن ما يبدو في العمارة على السطح بوصفه فعلاً تقنياً أو إبداعياً، يخفي وراءه شبكة معقدة من القيم، والتصورات، وأنماط التفكير التي تتناقلها الأجيال المهنية دون وعي مباشر. فهي ليست مجرد مهنة تُمارس، بل ثقافة تُعاش، ولغة ضمنية تتداول، ونظام رمزي يتشكل داخل بيئات العمل ويعيد إنتاج نفسه باستمرار. ومن هنا، فإن محاولة فهم العمارة لا يمكن أن تكتفي بقراءة نتاجها العمراني، بل تتطلب الغوص في شيفراتها المهنية، وتحمل في طياتها تصورات عن العمل وعن الإبداع وعن العلاقة مع المجتمع ومن هنا يصبح فهم العمارة كظاهرة مهنية أقرب إلى دراسة أنثروبولوجية منها إلى تحليل تقني. لقد انصبت التعليقات على السياق السعودي الذي تبرز فيه هذه الإشكالية بوضوح أكبر حيث تتسارع التحولات العمرانية وتتشكل مؤسسات مهنية جديدة دون أن يصاحب ذلك تراكم بحثي كافٍ يفسر طبيعة هذه الممارسة أو يحلل ثقافتها المهنية؛ فبينما نجد في الغرب إرثاً من الدراسات التي تحاول فهم كيف يفكر المعماريون وكيف يعملون تظل هذه الأسئلة في البيئة المحلية مفتوحة تبحث عن أدواتها وعن مناهجها. هل توجد ثقافة مهنية واحدة للعمارة في المملكة أم أننا أمام تعددية ثقافية تتوزع حسب المناطق والمؤسسات؟ سؤال يبدو بسيطاً في ظاهره لكنه في عمقه يكشف عن تعقيد كبير؛ فاختلاف المدن واختلاف السياقات الاقتصادية والاجتماعية لا بد أن ينعكس على طريقة ممارسة العمارة وعلى فهمها وعلى إنتاجها. ومن خلال تتبع بيئات العمل في عدد من المكاتب المعمارية (حسب رسالة الدكتوراه التي قام بها أحمد الفريدة وناقشها قبل عدة أيام بعد نشر المقال السابق) يتضح أن ما يحدث داخل هذه المكاتب يتجاوز بكثير ما يظهر في المنتج النهائي فهناك أنماط تفاعل يومية وهناك لغات داخلية وهناك طرق غير مكتوبة لاتخاذ القرار وكلها تشكل ما يمكن تسميته بالثقافة المؤسسية تلك التي تمنح كل مكتب شخصيته الخاصة حتى وإن عمل ضمن نفس الإطار العام. العمارة هنا تكشف عن وجهها الحقيقي فهي ليست مجرد تقنية، بل ذاكرة حية تمتد جذورها في المجتمع وتحمل في داخلها آثار التحولات التي مر بها لذلك فإن فهمها لا يكتمل بالنظر إلى المباني وحدها، بل يتطلب النظر إلى الإنسان الذي يصمم وإلى البيئة التي يعمل فيها وإلى القيم التي تحكم قراراته. ومن اللافت أن هذه الثقافة المؤسسية تميل إلى الاستمرار فهي لا تتغير بسهولة، بل تقاوم التحولات وتحافظ على تماسكها لكن هذه القوة نفسها قد تتحول إلى نقطة ضعف إذا لم ترافقها مرونة تسمح لها بالتكيف مع المتغيرات وهنا تظهر فجوة بين الثقافة العامة التي تتغير بسرعة والثقافة الخاصة التي تتباطأ في الاستجابة وهي فجوة قد تفسر اختفاء بعض الممارسات أو تراجعها مع الزمن. وفي عمق هذه الثقافة تتشكل لغة أخرى صامتة لا تُقال لكنها تُفهم لغة تتكون من الإشارات والتجارب المشتركة ومن تراكم الخبرات داخل بيئة العمل هذه اللغة هي التي تصنع الانتماء المهني وهي التي تميز المعماري عن غيره لكنها في الوقت نفسه تحتاج إلى بيئة تفاعلية حية كي تستمر. غير أن التحولات المعاصرة تضع هذه اللغة أمام اختبار جديد فمع صعود التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي بدأت بيئات العمل تميل إلى الفردية وبدأ التفاعل الإنساني يتراجع لصالح الشاشات والأدوات الذكية وهذا التحول لا يؤثر فقط على طريقة العمل، بل قد يعيد تشكيل الثقافة المهنية ذاتها وربما يخلق قطيعة مع ما تراكم عبر الزمن. وإذا تأملنا في جوهر هذه الثقافة المهنية نجد أنها لا تُبنى فقط داخل جدران المكاتب ولا تُختزل في علاقات العمل المباشرة بل تمتد إلى ما هو أبعد من ذلك إلى فضاءات التعليم وإلى تجارب التكوين الأولى للمعماري حيث تتشكل البذور الأولى لهذه الثقافة في قاعات الدراسة وفي استوديوهات التصميم حيث لا يتعلم الطالب فقط كيف يرسم أو يخطط بل كيف يفكر وكيف يرى العالم من منظور معماري، هذه المرحلة التكوينية تمثل الامتداد الخفي للممارسة المهنية لاحقاً إذ تنتقل القيم والأفكار وأنماط الحكم والتقييم من التعليم إلى المهنة لتصبح جزءاً من الشيفرات غير المعلنة التي تحكم العمل المعماري عبر الزمن. وفي مقابل ذلك لا يمكن إغفال أن الثقافة المهنية المعمارية تعيش اليوم لحظة إعادة تعريف مستمرة بفعل الانفتاح العالمي وتداخل المرجعيات حيث لم يعد المعماري يعمل داخل سياق محلي مغلق بل أصبح جزءاً من شبكة عالمية من الأفكار والصور والممارسات، وهذا التداخل يخلق حالة من التوتر الخلاق بين المحلي والعالمي، بين ما هو متجذر في الذاكرة وما هو مستورد من الخارج، وهو توتر قد يكون مصدر ثراء حين يُدار بوعي وقد يتحول إلى فقدان للهوية حين يُستنسخ دون نقد.. ومن هنا تبرز أهمية الوعي بالثقافة المهنية ليس فقط بوصفها واقعاً قائماً بل بوصفها مشروعاً يمكن توجيهه وصياغته بما يحفظ للعمارة خصوصيتها ويمنحها في الوقت ذاته القدرة على التفاعل مع العالم. هنا يبرز السؤال الذي لا يمكن تجاهله: كيف ستتشكل ثقافة العمارة في المستقبل إذا ما استمرت هذه النزعة نحو العزلة التي تصنعها التقنية؟ وهل ستظل العمارة قادرة على حمل ذاكرتها الثقافية أم أنها ستتحول إلى ممارسة تقنية منفصلة عن جذورها؟ إن الإجابة عن هذا السؤال لا تتعلق بالعمارة وحدها، بل بمستقبل المهن الإبداعية كلها وبقدرتها على الحفاظ على إنسانيتها في عالم يتغير بسرعة غير مسبوقة.