يُعد أمن الخليج العربي من أبرز القضايا الاستراتيجية، ليس فقط في النظام الإقليمي للشرق الأوسط، بل وعلى المستوى العالمي. حيث يتقاطع فيه البعد الجغرافي مع المصالح الاقتصادية والسياسية والأمنية. ومنذ تأسيس مجلس التعاون عام 1981م، تشكَّل إدراكٌ جمعي أن أمن الخليج مسؤولية خليجية بالدرجة الأولى. لقد جاء تأسيس المجلس في سياق تاريخي حساس أعقب قيام الثورة الإيرانية عام 1979م، التي أطلقت منذ بدايتها خطاباً أيديولوجياً توسعياً تمثل في (تصدير الثورة) أقلق دول الخليج. ومنذ ذلك الحين، أصبح مبدأ "الأمن الذاتي الخليجي" أحد المرتكزات الفكرية والسياسية لدول المجلس، وهو مبدأ يقوم على أن دول الخليج هي الأقدر على فهم بيئتها الأمنية وصياغة استجاباتها الاستراتيجية. وفي قلب هذا النظام الخليجي، تبرز المملكة بوصفها "الشقيقة الكبرى"، ليس فقط بحكم ثقلها الجغرافي والديموغرافي، بل أيضاً لدورها القيادي في إدارة الأزمات وصياغة التوازنات. فالسعودية تمثل القلب النابض لمنظومة الدول الخليجية، والحاضنة السياسية والأمنية التي تلجأ إليها الدول الشقيقة في أوقات الأزمات. ويؤكد التاريخ الحديث هذه الحقيقة بوضوح، خصوصاً خلال حرب الخليج الثانية عام 1990م، حين اجتاح النظام العراقي الغاشم حينها الكويت، فكان الموقف السعودي حاسماً في قيادة التحالف الدولي وتوفير الغطاء السياسي والعسكري لتحرير الكويت. لم يكن ذلك مجرد موقف تضامني، بل تجسيد عملي لمفهوم الأمن الجماعي الخليجي، حيث ارتبط أمن الكويت بأمن السعودية، وأمن السعودية بأمن الخليج ككل. واليوم، ومع تصاعد التوترات الإقليمية، وما تشهده المنطقة من تهديدات صاروخية وهجمات غير تقليدية يقوم بها النظام الإيراني، تعود المملكة لتلعب الدور ذاته، مقدّمةً أشكالاً متعددة من الدعم اللوجستي والسياسي والعسكري، بما يعزز من تماسك الجبهة الخليجية. إن هذه الاستمرارية في الدور تؤكد أن مركزية السعودية ليست خطاباً إعلامياً، بل حقيقة استراتيجية أثبتتها الوقائع. ومن اللافت للنظر أن هناك بعض الأصوات اليوم التي تميل إلى الاصطفاف مع إيران، ولكن لنعلم أن هذه ليست ظاهرة جديدة، بل لها جذورها التاريخية. ففي أعقاب الغزو العراقي للكويت عام 1990م، برزت أصوات تضامنت مع المعتدي ووقفت مخالفة للإجماع الخليجي والدولي، مما وضع أمن المنطقة أمام تحديات إضافية.. إن هذه المعطيات تقودنا إلى نتيجة استراتيجية واضحة وهي أن أمن الخليج مسؤولية خليجية أولاً وأخيراً. فلا يمكن الركون إلى قوى خارجية أو التعويل على مواقف متغيرة، بل يجب تعزيز الهوية الخليجية وتطوير آليات التكامل السياسي والعسكري، وربما الانتقال إلى مستويات أعلى من الاتحاد الخليجي. إن محاولات إنكار دور المملكة في معادلة الأمن الخليجي أمر لا يستند إلى قراءة واقعية للتاريخ أو الجغرافيا السياسية.. فالسعودية ليست فقط دولة محورية، بل هي الضامن الاستراتيجي لاستقرار الخليج. وأرى أن المرحلة القادمة تتطلب إعادة تعريف الأمن الخليجي كمشروع سيادي جماعي تقوده السعودية، مع تعزيز التكامل الدفاعي والمؤسسي، لأن أي تراجع في هذا المسار سيترك فراغاً قد تملؤه قوى لا تنسجم مع مصالح المنطقة.