الحمد وحده وبعد، ففي صباح يوم الثلاثاء الموافق 1 /4 /1447ه توفي سماحة مفتي بلادنا الغالية المملكة العربية السعودية ورئيس هيئة كبار العلماء وإدارة البحوث العلمية في العاصمة الرياض فضيلة الشيخ المفتي العالم العابد عبدالعزيز بن عبدالله بن محمد آل الشيخ الإمام محمد بن عبدالوهاب -رحمهم الله-، مقدمين خالص العزاء لقيادتنا الرشيدة، وإلى أبناء سماحة المفتي الشيخ الدكتور عبدالله وإخوانه محمد وعمر وعبدالرحمن ووالدتهم وأخواتهم، وأبناء أخيه الشيخ عبدالملك بن عبدالله -رحمه الله- الشيخ الدكتور هشام بن عبدالملك وإخوانه، وأخيه الشيخ عبدالمحسن بن عبدالله -شفاه الله- وأبنائه وجميع أقاربه، وأسرة آل الشيخ الكريمة، وللعلماء والمشايخ والقضاة الأجلاء في بلادنا الغالية، وفي جميع بلاد المسلمين في أنحاء المعمورة، وجميع طلابه وتلاميذه في الجامعات والحلقات العلمية وقراء مجالسه، ومرافقيه الأحبة، وكافة المسلمين، داعين الله له بالمغفرة والرحمة، والأسى والحزن يملأ قلوبنا على فقد هذا العالم الكبير الذي قل له مثيل -رحمه الله-، وغفره له وجزاه الله عنا وعن جميع المسلمين خير الجزاء. فأول ما عرفت سماحة المفتي الشيخ عبدالعزيز آل الشيخ -رحمه الله- هي مصادفة قديمة جدًا، حيث كنت مع والدي قاضي محكمة شقراء بالوشم الشيخ سعد بن محمد بن فيصل المبارك -رحمه الله-، وكان يستمع لخطبة الجمعة في جامع الإمام تركي بن عبدالله -رحمه الله- من إذاعة الرياض في أوائل التسعينات الهجرية من القرن الماضي، وكان الخطيب سماحة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ، عندما كان شابًا فتيًا، وأظنها من أوائل الخطب لفضيلته في جامع الإمام تركي إن لم تكن الخطبة الأولى، وكان صوته جهوريًا قويًا، ثابت الجنان، رابط الجأش، فصيح الخطاب، مرتجلاً خطبته ارتجالاً، له وقع في القلوب، فأعجب الوالد كثيراً بخطبة الشيخ وأثنى عليه، وأخذ يقول: الحمد لله إن الله هيأ لهذا الجامع هذا الشيخ الخطيب من آل الشيخ محمد بن عبدالوهاب هذه الشجرة المباركة، وبدت على والدي -رحمه الله- ملامح الفرح والسرور، فقد صدقت فراسته -رحمه الله- فأصبح سماحته خير خلف لخير سلف، وقد أخبرت سماحة المفتي -رحمه الله- بما قاله والدي فكان يتعجب ويقول سبحان الله، وأخذ يدعو لوالدي ويترحم عليه. ثم شاء الله سبحانه وتعالى بعد وفاة والدي أن سماحة الشيخ عبدالعزيز هو الذي عقد قران زواجي على يديه الكريمتين في منزل الخال الشيخ عبدالله بن صالح آل الشيخ جد أبنائي -رحمه الله- وذلك عام 1403ه، أي منذ 44 عامًا، ومنذ ذلك التاريخ تواصلت علاقتي بسماحته معجبًا ومحبًا له، فهو عالم جليل متواضع محب للخير وأهله، دمث الأخلاث، بشوش الوجه، وصولاً للرحم، جامعاً لمكارم الأخلاق، تقياً، عابداً، باراً بأهله وذويه، فجزاه الله عنا خير الجزاء. وكانت 44 عامًا من العلاقة المتصلة الطيبة والمعرفة الشريفة تتجلى فيها معاني المحبة في الله والإخلاص والصدق والخير. وكانت علاقتي بسماحة المفتي -رحمه الله- علاقة المحب لوالده وشيخه، مبنية على المحبة في الله لعالم جليل عابد تقي ذو همة عالية ونفس زكية، وهي أيضاً واجب ديني على كل مسلم لاحترام ومحبة علماء الأمة وصلتهم وبرهم، ويكفي مدحًا وثناءً عليهم قول النبي صلى الله عليه وسلم "العلماء ورثة الأنبياء". فما بالك وسماحة الشيخ عبدالعزيز-رحمه الله- عالم من علماء المسلمين الفضلاء الذي يتضح لكل من يعرف فضيلته عن قرب لما يجده من الإخلاص والتقوى والتواضع الجم ومحبة الخير وحسن المجالسة والحديث والحرص على منفعة الناس والسؤال عنهم والاهتمام بما يصلح شؤونهم. وقد كان سماحته مثالاً يحتذى في الصلة البر والإحسان والأمثلة على ذلك كثيرة من زياراته للمرضى في المستشفيات وفي منازلهم كمداومته على زيارته لوالدته التي ربته أحسن تربية في المستشفى يوميًا طيلة سنوات عديدة حتى توفيت -رحمها الله-، وكذلك زياراته الدائمة لأخيه الشيخ عبدالملك -رحمه الله-، والشيخ عبدالمحسن -شفاه الله-، وزياراته لمشايخه وللعلماء والقضاة وطلاب العلم عامة، وتلامذته والحرص على مواصلتهم وإجابته لدعواتهم وحضور مناسباتهم بكل تواضع ومحبة، وكذلك أقاربه ومعارفه والعاملين لديه. وهذا ديدن العلماء الأجلاء والقدوات المثلى، فكل أخلاق سماحته حميدة طيبة مباركة أرجو الله أن أكون قد تأثرت بها أو ببعضها، فسماحته قدوة ذو فضل وإحسان ودين، وقد طبع في ذهني وقلبي تلك المزايا الروحية العالية والأخلاق الإسلامية السامية والفكر الشرعي المعتدل متمثلاً تصرفات وأعمال وأقوال سماحته -رحمه الله-. أما أثر سماحة الشيخ عبدالعزيز -رحمه الله- في الأوساط الاجتماعية فأثر كبير جدًا وملاحظ، فسماحته مركز دائرة الإفتاء ومرجع الفتوى في بلادنا الغالية المملكة العربية السعودية. وكذلك فهو مدرسة ومرجع للفتوى والأحكام الشرعية وما يصدر منها في عالمنا الاسلامي الواسع عامة، حيث يستنار برأيه وفتاويه في جميع الدول الإسلامية على مستوى اللجان الشرعية الدينية، وعلى مستوى الأفراد المسلمين. وسماحته يعتبر قدوة وموجهاً ومعلماً وداعية خير، وله تأثير كبير في مجتمعنا السعودي وفي سائر المجتمعات الإسلامية، فسماحته مدرسة شرعية متمثلة في شخصيته السمحة وأخلاقه الإسلامية الصادقة ونيته الطيبة، وعلى مستوى بلادنا الغالية نقتدي بجميع أخلاقه وأفعاله وأقواله ونصائحه. وكذلك فتأثير سماحته على مستوى العالم الإسلامي والمسلمين كافة تتضح في علاقاته مع العلماء والمشايخ والمفتين وطلاب العلم والدارسين في كافة أنحاء العالم، وكذلك تأثيره بعلاقاته المتواصلة مع العلماء وطلاب العلم والوفود أثناء الحج، حيث حج سماحته (51) عامًا، بعضها حجها سماحته عن بعض الأئمة العلماء الذين لم يحجوا فرضهم كالنووي وابن رجب وابن عبد البر وغيرهم -رحمهم الله-، منها 35 حجة حجها سماحته كخطيب وإمام بالحجاج بمسجد نمرة بعرفات، حج فيها كلها مجتمعًا بالعلماء والقيادات الدينية وطلاب العلم من كافة أرجاء المعمورة، وكانت خطبة سماحته تنقل عبر التلفاز والإذاعة لسائر بلدان العالم الإسلامي، حيث كان يوجه ويعلم وينصح في تلك الخطب الجليلة (وقد طبعت ولله الحمد في كتب)، ويركز على وجوب التمسك بأهداف الدين الحنيف والتوحيد الحق والاجتماع وعدم الفرقة وتقوى الله سبحانه ظاهرًا وباطنًا. وكان الداعية الأول والموجه الأشهر في العالم، وأثره على الوسط التعليمي في بلادنا أثر كبير واضح، فكان سماحته حريصًا على توجيه الشباب والناس إلى التعليم والدراسة والتحصيل، فأول سؤال له للشباب أين تدرس؟ وماذا تدرس؟ ويحثهم على الاجتهاد لطلب العلم والزواج المبكر والاستقامة وحسن الخلق، ففي مجلسه تجد القراءة في أمهات الكتب الشرعية مستمرة وهو معلقًا ومصححًا لتعم الفائدة للسامعين، ثم تجد سماحته مدرسًا في مسجده وفي حلقات العلم الذي يدرس فيها عليه طلاب العلم من كل بلاد المسلمين، ينهلون من علمه الواسع وتوجيهاته السديدة، وكان معلما ومدرساً في المعهد العلمي وفي كليات الشريعة وفي معهد القضاء الأعلى، ومشرفًا على الدراسات العليا والدكتوراة طيلة سنوات عديدة لكثير من طلبة العلم والدارسين الذين أصبحوا الآن مشايخ وعلماء وأساتذة ودكاترة وقضاة شرعيين في كافة فروع العلم، مدرسين في الجامعات، وقضاة شرعيين في المحاكم المختلفة والعلوم والأعمال الإدارية وغيرها. رحم الله سماحة المفتي الشيخ عبدالعزيز وغفر له وجزاه الله خيرًا عن الإسلام والمسلمين كافة، داعين لولاة أمرنا الميامين خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي عهده صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان، حفظهما الله ورعاهما وأبقاها عزًا ومجدًا للإسلام والمسلمين، شاكرين لما قدموه ويقدمونه للعلماء والمشايخ من تقدير واحترام ورعاية وعناية وتهيئة الظروف الملائمة للقيام بأعمالهم لخدمة الأمة وخدمتهم والحرص على راحتهم، سائلين الله أن يجعل ذلك في موازين حسناتهم ومآثرهم التي لا تعد ولا تحصى. عبدالله بن سعد بن محمد المبارك