الصيام - وأعني به هنا: الكف عن الطعام والشراب - طبيعة أصيلة في كثير من الحيوان، فهو يقبل عليه تلقائياً بطبيعة لا تعرف له رفضاً وغريزة لا تفهم له فلسفة، فصيام العلق والعقرب والحية والسمك والسلاحف وغيرها، يمتد بعضه إلى سنتين والبعض إلى شهور، ومع ذلك فقد استقامت حياتها ونتاجها - بطواعيتها لهذا الصيام. وفي ما بين القرن العاشر والسادس قبل الميلاد ظهر «زرادشت» ليرسي أول ديانة تعادي شعيرة الصوم، وتدعو لبطلان جدواه، وقدم منهجه «أن يحيا الإنسان حياة طبيعية فيزرع، ويعنى بماشيته ويتزوج ويقوي بدنه بألا يصوم». وكانت دعوته مسببة بتوفير القوة للشعب، في حين وجد الشعب قوته في وجبة واحدة من الطعام. وجاءت العصور الوسطى فقدمت حاكماً متفلسفاً أراد أن يفرض عقيدة تجمع بين كل العقائد، ففي الهند ظهر «أكبر» وقدم عقيدته في القرن السادس عشر الميلادي، وحين ذاك قضى بتحريم الصيام على المسلمين كما حرم عليهم حج البيت وتشييد المساجد. وعلى أن دعوات مقابلة لهذا اللون وجدت استجابة، وذلك إنما يدل على مدى اقتناع البشر بنفع الصوم وجدواه حتى أنه ليسارع إلى ما شابهه من ضروب لا تستند إلى عقيدة دينية، فمن الصيام الذي لا يعد منهاجاً دينياً صيام ثلاثة أيام قضى بها الإمبراطور الصيني «ناي دزونج»؛ فقد أصدر قانوناً يقضي بألا يصدق أي إمبراطور على حكم الإعدام إلا بعد أن يصوم ثلاثة أيام.على أن أخطر ما درج عليه فريق من البشر صيام عجيب غريب، ليس العجب فيه يعود إلى كيفيته، سواء كانت امتناعاً عن الطعام والشراب أو عن اللحم ونتاج الحيوان، إنما العجب والغرابة فيه بسبب ما يمارس من أجله.. فهو يمارس بدعوى «طرد جن» إذا مس إنساناً، ثم تعدى الأمر إلى دعوى «السيطرة على الجن نفسه». الصيام من البداية حتى الإسلام - د. علي الخَطيب - المكتبة العصرية*